ابن كثير
16
البداية والنهاية
على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما توفي وصلى عليه ابنه الحسن - لأنه أكبر بنيه رضي الله عنهم - ودفن كما ذكرنا بدار الامارة على الصحيح من أقوال الناس ، فلما فرغ من شأنه كان أول من تقدم إلى الحسن بن علي رضي الله عنه قيس بن سعد بن عبادة فقال له . ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه ، فسكت الحسن فبايعه ثم بايعه الناس بعده ، وكان ذلك يوم مات علي ، وكان موته يوم ضرب على قول وهو يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين ، وقيل إنما مات بعد الطعنة بيومين ، وقيل مات في العشر الأخير من رمضان ، ومن يومئذ ولي الحسن بن علي ، وكان قيس بن سعد على إمرة أذربيجان ، تحت يده أربعون ألف مقاتل ، قد بايعوا عليا على الموت ، فلما مات علي ألح قيس بن سعد على الحسن في النفير لقتال أهل الشام ، فعزل قيسا عن إمرة أذربيجان ، وولى عبيد الله بن عباس عليها ، ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحدا ، ولكن غلبوه على رأيه ، فاجتمعوا اجتماعا عظيما لم يسمع بمثله ، فأمر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثني عشر ألفا ( 1 ) بين يديه ، وسار هو بالجيوش في أثره قاصدا بلاد الشام ، ليقاتل معاوية وأهل الشام فلما اجتاز بالمدائن ( 2 ) نزلها وقدم المقدمة بين يديه ، فبينما هو في المدائن معسكرا بظاهرها ، إذ صرخ في الناس صارخ : ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل ، فثار الناس فانتهبوا أمتعة بعضهم بعضا حتى انتهبوا سرادق الحسن ، حتى نازعوه بساطا كان جالسا عليه ، وطعنه ( 3 ) بعضهم حين ركب طعنة أثبتوه وأشوته فكرههم الحسن كراهية شديدة ، وركب فدخل القصر الأبيض من المدائن فنزله وهو جريح ، وكان عامله على المدائن سعد ( 4 ) بن مسعود الثقفي - أخو أبي عبيد صاحب يوم الجسر - فلما استقر الجيش بالقصر قال المختار بن أبي عبيد قبحه الله لعمه سعد ( 5 ) بن مسعود : هل لك في الشرف والغنى ؟ قال : ماذا ؟ قال : تأخذ الحسن بن علي فتقيده وتبعثه إلى معاوية ، فقال له عمه : قبحكم الله وقبح ما جئت به ، أغدر بابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ولما رأى الحسن بن علي تفرق جيشه عليه مقتهم وكتب عند ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان - وكان قد ركب في أهل الشام فنزل مسكن - يراوضه على الصلح بينهما ، فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة ، فقدما عليه الكوفة فبذلا له ما
--> ( 1 ) في فتوح ابن الأعثم 4 / 154 : في ألف رجل . ( 2 ) المدائن : كانت رأس الجسر صوب فارس والبلاد المتاخمة لها ، وهي بموقعها الجغرافي النقطة الوحيدة التي تحمي الخطوط الثلاث التي تصل كلا من الكوفة والبصرة وفارس بالأخرى ، وتقف بقيمتها العسكرية درءا في وجه الاحداث التي تنذر بها ظروف الحرب ، واتخذها الحسن مقرا لقيادته العليا ليستقبل عندها نجدات الجيوش من الأقطار القريبة منه . ( 3 ) في فتوح ابن الأعثم 4 / 155 : سنان بن جراح من بني أسد . وفي الاخبار الطوال ص 217 : الجراح بن قبيصة من بني أسد . ( 4 ) كذا بالأصل والطبري 6 / 92 وجمهرة انساب العرب ص 257 ، وفي الاخبار الطوال : سعيد .