ابن كثير

99

البداية والنهاية

الفريقين ، وقتل البراء بن مالك أخو أنس بن مالك يومئذ مائة مبارز سوى من قتل غير ذلك ، وكذلك فعل كعب بن ثور ، ومجزأة بن ثور ، وأبو يمامة ( 1 ) وغيرهم من أهل البصرة ، وكذلك أهل الكوفة قتل منهم جماعة مائة مبارزة كحبيب بن قرة ، وربعي بن عامر ، وعامر بن عبد الأسود وقد تزاحفوا أياما متعددة ، حتى إذا كان في آخر زحف قال المسلمون للبراء بن مالك - وكان مجاب الدعوة - : يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم لنا . فقال : اللهم اهزمهم لنا ، واستشهدني قال : فهزمهم المسلمون حتى أدخلوهم خنادقهم واقتحموها عليهم ، ولجأ المشركون إلى البلد فتحصنوا به ، وقد ضاقت بهم البلد ، وطلب رجل ( 2 ) من أهل البلد الأمان من أبي موسى فأمنه ، فبعث يدل المسلمين على مكان يدخلون منه إلى البلد ، وهو من مدخل الماء إليها ، فندب الامراء الناس إلى ذلك فانتدب رجال من الشجعان والابطال ، وجاؤا فدخلوا مع الماء - كالبط - إلى البلد ، وذلك في الليل ، فيقال كان أول من دخلها عبد الله بن مغفل المزني ( 3 ) ، وجاؤا إلى البوابين فأناموهم وفتحوا الأبواب ، وكبر المسلمون فدخلوا البلد ، وذلك في وقت الفجر إلى أن تعالى النهار ، ولم يصلوا الصبح يومئذ إلا بعد طلوع الشمس - كما حكاه البخاري عن أنس بن مالك قال : شهدت فتح تستر ، وذلك عند صلاة الفجر ، فاشتغل الناس بالفتح فما صلوا الصبح إلا بعد طلوع الشمس - فما أحب أن لي بتلك الصلاة حمر النعم . احتج بذلك البخاري لمكحول والأوزاعي في ذهابهما إلى جواز تأخير الصلاة لعذر القتال . وجنح إليه البخاري واستدل بقصة الخندق في قوله عليه السلام " شغلونا عن الصلاة الوسطى ملا الله قبورهم وبيوتهم نارا ( 4 ) " وبقوله يوم بني قريظة " لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة ( 5 ) " فأخرها فريق من الناس إلى بعد غروب الشمس ، ولم يعنفهم ، وقد تكلمنا على ذلك في غزوة الفتح . والمقصود أن الهرمزان لما فتحت البلد لجأ إلى القلعة فتبعه جماعة من الابطال ممن ذكرنا وغيرهم فلما حصروه في مكان من القلعة ولم يبق إلا تلافه أو تلافهم ، قال لهم بعد ما قتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور رحمهما الله : إن معي جعبة فيها مائة سهم ، وإنه لا يتقدم إلي أحد منكم إلا رميته بسهم قتلته . ولا يسقط لي سهم إلا في رجل منكم ، فماذا ينفعكم إن أسرتموني بعدما قتلت منكم مائة رجل ؟ قالوا : فماذا تريد ؟ قال : تؤمنوني حتى أسلمكم يدي فتذهبوا بي إلى عمر بن

--> ( 1 ) في الطبري : أبو تميمة . ( 2 ) في فتوح ابن الأعثم ذكر اسمه : نسيبه بن دارنه . وفي الاخبار الطوال : سينة . ( 3 ) في فتوح ابن الأعثم عوف بن مجزأة . وفي فتوح البلدان 2 / 468 : رجل من بني شيبان يقال له أشرس بن عوف وفي الاخبار الطوال ص ( 131 ) مثل فتوح البلدان . ( 4 ) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد ( 98 ) باب ح‍ ( 2931 ) فتح الباري 6 / 105 . وفي المغازي ح‍ ( 4111 ) ومسلم في كتاب المساجد ( 36 ) باب . ح‍ 204 . ( 5 ) أخرجه البخاري في المغازي فتح الباري 7 / 407 ومسلم في الجهاد ح‍ ( 69 ) ص ( 1391 ) .