ابن كثير

89

البداية والنهاية

سرع في قول محمد بن إسحاق ، وقال سيف : وصل إلى الجابية . قلت : والأشهر أنه وصل سرع ، وقد تلقاه أمراء الأجناد ، أبو عبيدة ، ويزيد بن أبي سفيان ، وخالد بن الوليد ( 1 ) ، إلى سرع فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام ، فاستشار عمر المهاجرين والأنصار فاختلفوا عليه ، فمن قائل يقول : أنت قد جئت لأمر فلا ترجع عنه . ومن قائل يقول : لا نرى أن تقدم بوجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الوباء . فيقال إن عمر أمر الناس بالرجوع من الغد . فقال أبو عبيدة : أفرارا من قدر الله ؟ قال : نعم ! نفر من قدر الله إلى قدر الله ، أرأيت لو هبطت واديا ذا عدوتين إحداهما مخصبة والأخرى مجدبة ، فإن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله ، وإن أنت رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ؟ ثم قال لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة . قال ابن إسحاق في روايته وهو في صحيح البخاري : وكان عبد الرحمن بن عوف متغيبا في بعض شأنه ، فلما قدم قال : إن عندي من ذلك علما ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا سمعتم به بأرض قوم فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه ( 2 ) . فحمد الله عمر - يعني لكونه وافق رأيه - ورجع بالناس . وقال الإمام أحمد : ثنا وكيع ، ثنا سفيان بن حسين ابن أبي ثابت ، عن إبراهيم بن سعد ، عن سعد بن مالك بن أبي وقاص وخزيمة بن ثابت وأسامة ابن زيد قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن هذا الطاعون رجز وبقية عذاب عذب به قوم قبلكم ، فإذا وقع بأرض أنتم فيها فلا تخرجوا منها فرارا منه ، وإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه ( 3 ) " ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث سعيد بن المسيب ويحيى بن سعيد عن سعد بن أبي وقاص به . قال سيف بن عمر : كان الوباء قد وقع بالشام في المحرم من هذه السنة ثم ارتفع ، وكأن سيفا يعتقد أن هذا الوباء هو طاعون عمواس ، الذي هلك فيه خلق من الامراء ووجوه المسلمين ، وليس الامر كما زعم ، بل طاعون عمواس من السنة المستقبلة بعد هذه ، كما سنبينه إن شاء الله تعالى . وذكر سيف بن عمر : أن أمير المؤمنين عمر كان قد عزم على أن يطوف البلدان ، ويزور الامراء ، وينظر فيما اعتقدوه وما آثروا من الخير ، فاختلف عليه الصحابة فمن قائل يقول ابدأ بالعراق ، ومن قائل يقول بالشام . فعزم عمر على قدوم الشام لأجل قسم مواريث من مات من المسلمين في طاعون عمواس ، فإنه أشكل قسمها على المسلمين بالشام فعزم على ذلك . وهذا يقتضي أن عمر عزم على قدوم الشام بعد طاعون عمواس ، وقد كان الطاعون في سنة ثماني عشرة كما سيأتي ، فهو قدوم آخر غير قدوم سرع . والله أعلم . قال سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بن النعمان قالوا : قال عمر : ضاعت مواريث

--> ( 1 ) في الطبري : شرحبيل بن حسنة بدل خالد . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأنبياء 54 وفي الحيل 13 ، ومالك في الموطأ في المدينة 22 ، 23 ، 24 . ( 3 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج 1 / 182 و 4 / 195 .