ابن كثير

86

البداية والنهاية

معها أختها شيرين التي وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت ، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان . ويقال أهدى المقوقس معهما جاريتين أخريين ، فيحتمل أنهما كانتا خادمتين لمارية وسيرين . وأهدى معهن غلاما خصيا اسمه مابور ، وأهدى مع ذلك بغلة شهباء اسمها الدلدل ، وأهدى حلة حرير من عمل الإسكندرية . وكان قدوم هذه الهدية في سنة ثمان . فحملت مارية من رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبراهيم عليه السلام ، فعاش عشرين شهرا ، ومات قبل أبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة سواء . وقد حزن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى عليه وقال : تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ، وقد تقدم ذلك في سنة عشر . وكانت مارية هذه من الصالحات الخيرات الحسان . وقد حظيت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعجب بها ، وكانت جميلة ملاحة ، أي حلوة ، وهي تشابه هاجر سرية الخليل ، فإن كلا منهما من ديار مصر وتسراها نبي كريم ، وخليل جليل ، عليهما السلام . ثم دخلت سنة سبع عشرة في المحرم منها انتقل سعد بن أبي وقاص من المدائن إلى الكوفة ، وذلك أن الصحابة استوخموا المدائن ، وتغيرت ألوانهم وضعفت أبدانهم ، لكثرة ذبابها وغبارها . فكتب سعد إلى عمر في ذلك ، فكتب عمر : إن العرب لا تصلح إلا حيث يوافق إبلها ( 1 ) . فبعث سعد حذيفة وسلمان بن زياد يرتادان للمسلمين منزلا مناسبا يصلح لإقامتهم ( 2 ) . فمرا على أرض الكوفة وهي حصباء في رملة حمراء ، فأعجبتهما ووجد هنالك ديرات ثلاث دير حرقة ( 3 ) بنت النعمان ، ودير أم عمرو ، ودير سلسلة ، وبين ذلك خصاص خلال هذه الكوفة ، فنزلا فصليا هنالك وقال كل واحد منهما : اللهم رب السماء وما أظلت ، ورب الأرض وما أقلت ، ورب الريح وما ذرت ، والنجوم وما هوت ، والبحار وما جرت ، والشياطين وما أضلت ، والخصاص وما أجنت ، بارك لنا في هذه الكوفة واجعلها منزل ثبات . ثم كتبا إلى سعد بالخبر ، فأمر سعد باختطاط الكوفة ، وسار إليها في أول هذه السنة في محرمها ، فكان أول بناء وضع فيها المسجد . وأمر سعد رجلا راميا شديد الرمي ، فرمى من المسجد إلى الأربع جهات فحيث سقط سهمه بنى الناس منازلهم ، وعمر قصرا تلقاء محراب المسجد للامارة وبيت المال ، فكان أول ما بنوا المنازل بالقصب ، فاحترقت في أثناء السنة ، فبنوها باللبن عن أمر عمر ، بشرط أن لا يسرفوا ولا يجاوزوا الحد . وبعث سعد إلى الامراء والقبائل فقدموا عليه ، فأنزلهم الكوفة ، وأمر سعد أبا هياج ( 4 ) الموكل بإنزال الناس فيها بأن

--> ( 1 ) زاد في فتوح البلدان : فارتد لهم موضعا عدنا ، ولا تجعل بيني وبينهم بحرا . ( 2 ) في فتوح البلدان : ان الذي دل سعدا على أرض الكوفة عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة 2 / 339 . ( 3 ) كذا بالأصل والطبري ، وفي الكامل : حرمة . ( 4 ) أبو الهياج الأسدي واسمه عمرو بن مالك بن جنادة .