ابن كثير
54
البداية والنهاية
وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه فاستلبه سوارين من ذهب ، ومنطقة من ذهب ، ويلمقا من ديباج . قال : وكان المسلمون ستة آلاف أو سبعة آلاف ، فقتل الله رستما وكان الذي قتله رجل يقال له هلال ابن علقمة التميمي ( 1 ) ، رماه رستم بنشابة فأصاب قدمه وحمل عليه هلال فقتله واحتز رأسه وولت الفرس فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فأدركوهم في مكان قد نزلوا فيه واطمأنوا ، فبينما هم سكارى قد شربوا ولعبوا إذ هجم عليهم المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وقتل هنالك الجالينوس ، قتله زهرة بن حوية التميمي . ثم ساروا خلفهم فكلما تواجه الفريقان نصر الله حزب الرحمن ، وخذل حزب الشيطان وعبدة النيران ، واحتاز المسلمون من الأموال ما يعجز عن حصره ميزان وقبان ، حتى أن منهم من يقول من يقايض بيضاء بصفراء لكثرة ما غنموا من الفرسان . ولم يزالوا يتبعونهم حتى جازوا الفرات وراءهم وفتحوا المدائن وجلولاء على ما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة . وقال سيف بن عمر عن سليمان بن بشير عن أم كثير امرأة همام بن الحارث النخعي قالت : شهدنا القادسية مع سعد مع أزواجنا ، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس ، شددنا علينا ثيابنا وأخذنا الهراوي ثم أتينا القتلى ، فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه ، ومن كان من المشركين أجهزنا عليه ، ومعنا الصبيان فنوليهم ذلك - تعني استلابهم - لئلا يكشفن عن عورات الرجال . وقال سيف بأسانيده عن شيوخه قالوا : وكتب سعد إلى عمر يخبره بالفتح وبعدة من قتلوا من المشركين . وبعدة من قتل من المسلمين ، بعث بالكتاب مع سعد بن عميلة الفزاري ( 2 ) وصورته " أما بعد فإن الله نصرنا على أهل فارس ومنحناهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم ، بعد قتال طويل ، وزلزال شديد ، وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراؤن مثل زهائها ، فلم ينفعهم الله بذلك ، بل سلبوه ونقله عنهم إلى المسلمين ، واتبعهم المسلمون على الأنهار ، وصفوف ( 3 ) الآجام ، وفي الفجاح . وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارى ( 4 ) وفلان وفلان ، ورجال من المسلمين لا يعلمهم إلا الله ، فإنه بهم عالم كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل ، وهم آساد في النهار لا تشبههم الأسود ، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم . فيقال إن عمر قرأ هذه البشارة على الناس فوق المنبر رضي الله عنهم . ثم قال عمر للناس : إني حريص على أن لا أرى حاجة إلا سددتها ، ما اتسع بعضنا لبعض ، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في
--> ( 1 ) في رواية الطبري عن ابن إسحاق : هلال بن علفة التيمي . ( 2 ) في فتوح الشام للواقدي 2 / 193 سماه نوفل ولم ينسبه ، وفي الطبري والكامل فكالأصل . ( 3 ) في الطبري : وعلى طفوف . ( 4 ) في الطبري : القارئ ، وفي فتوح البلدان : الأنصاري واغتم عمر لمصابه وقال : لقد كاد قتله ينغض علي هذا الفتح 2 / 326 .