ابن كثير
51
البداية والنهاية
في ستين ألفا ، فصلى سعد بالناس الظهر ثم خطب الناس فوعظهم وحثهم وتلا قوله تعالى * ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) * [ الأنبياء : 105 ] وقرأ القراء آيات الجهاد وسوره ، ثم كبر سعد أربعا ثم حملوا بعد الرابعة فاقتتلوا حتى كان الليل فتحاجزوا ، وقد قتل من الفريقين بشر كثير ، ثم أصبحوا إلى مواقفهم فاقتتلوا يومهم ذلك وعامة ليلتهم ، ثم أصبحوا كما أمسوا على مواقفهم ، فاقتتلوا حتى أمسوا ثم اقتتلوا في اليوم الثالث كذلك وأمست هذه الليلة تسمى ليلة الهرير ( 1 ) ، فلما أصبح اليوم الرابع اقتتلوا قتالا شديدا وقد قاسوا من الفيلة بالنسبة إلى الخيول العربية بسبب نفرتها منها أمرا بليغا ، وقد أباد الصحابة الفيلة ومن عليها ، وقلعوا عيونها ، وأبلى جماعة من الشجعان في هذه الأيام مثل طليحة الأسدي ، وعمرو بن معدي كرب ، والقعقاع بن عمرو ، وجرير بن عبد الله البجلي ، وضرار بن الخطاب ، وخالد بن عرفطة ، وأشكالهم وأضرابهم . فلما كان وقت الزوال من هذا اليوم ويسمى يوم القادسية ، وكان يوم الاثنين ( 2 ) من المحرم سنة أربع عشرة كما قاله سيف بن عمر التميمي ، هبت ريح شديدة فرفعت خيام الفرس عن أماكنها وألقت سرير رستم الذي هو منصوب له ، فبادر فركب بغلته وهرب فأدركه المسلمون فقتلوه ( 3 ) وقتلوا الجالينوس ( 4 ) مقدم الطلائع القادسية ، وانهزمت الفرس ولله الحمد والمنة عن بكرة أبيهم ، ولحقهم المسلمون في أقفائهم فقتل يومئذ المسلسلون بكمالهم وكانوا ثلاثين ألفا ، وقتل في المعركة عشرة آلاف ، وقتلوا قبل ذلك قريبا من ذلك . وقتل من المسلمين في هذا اليوم وما قبله من الأيام ألفان وخمسمائة ( 5 ) رحمهم الله . وساق المسلمون خلف المنهزمين حتى دخلوا وراءهم مدينة الملك وهي المدائن التي فيها الإيوان الكسروي ، وقد أذن لمن ذكرنا عليه ، فكان منهم إليه ما قدمنا . وقد غنم المسلمون من وقعة القادسية هذه من الأموال والسلاح مالا يحد ولا يوصف كثرة ، فحصلت الغنائم بعد صرف الأسلاب وخمست وبعث
--> ( 1 ) وأيام القادسية أربعة : الأول يوم أرماث وليلة أرماث تدعى الهدأة ، واليوم الثاني يوم أغواث وليلة أغواث تدعى السواد ، واليوم الثالث يوم عماس ، وليلة اليوم الرابع تدعى ليلة الهرير ، واليوم الرابع يوم القادسية . قال ابن الأثير في التاريخ : وسميت ليلة الهرير بذلك لتركهم الكلام إنما كانوا يهرون هريرا 2 / 479 . ( 2 ) في فتوح البلدان يوم الأحد ، وقال : كان يوم القادسية في آخر سنة ست عشرة . وفي الطبري وابن الأثير في الكامل : سنة أربع عشرة . ( 3 ) في الطبري : قتله هلال بن علفة ، وفي الكامل وابن الأعثم : هلال بن علقمة العقيلي . وفي فتوح البلدان : قتل رستم ولم يعلم من قاتله . وقال الواقدي : قيل قتله زهير بن عبد شمس البجلي . وقيل قتله عوام بن عبد شمس وقيل : هلال بن علفة التيمي . ( فتوح البلدان 2 / 317 ) . ( 4 ) في الطبري : أصيب قبل ليلة الهرير ألفان وخمسمائة وقتل ليلة الهرير ويوم القادسية من المسلمين ستة آلاف دفنوا في الخندق بحيال مشرق . ( 5 ) في الكامل لابن الأثير : قتله زهرة بن الحوية التميمي .