ابن كثير

49

البداية والنهاية

فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم ، وشآنكم وبلادكم ، وأن أتيتمونا بالجزي ( 4 ) قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم . قال فتكلم يزدجرد فقال : إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم ، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم ، لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم . فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا ، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم . فأسكت القوم فقام المغيرة بن شعبة ( 1 ) فقال : أيها الملك إن هؤلاء رؤس العرب ووجوههم ، وهم أشراف يستحيون من الاشراف ، وإنما يكرم الاشراف الاشراف ، ويعظم حقوق الاشراف الاشراف ، وليس كل ما أرسلوا له جمعوه لك ، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه ، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك ، فجاوبني فأكون أنا الذي أبلغك ويشهدون على ذلك . إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما ، فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا ، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع ، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات ، ونرى ذلك طعامنا ، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض ، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم . ديننا أن يقتل بعضنا بعضا ، وأن يبغي ( 2 ) بعضنا على بعض ، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه ، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك فبعث الله إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده ، فأرضه خير أرضنا ، وحسبه خير أحسابنا ، وبيته خير بيوتنا ، وقبيلته خير قبائلنا ، وهو نفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا ، فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد . أول ترب كان له الخليفة من بعده ، فقال وقلنا ، وصدق وكذبنا ، وزاد ونقصنا ، فلم يقل شيئا إلا كان ، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه ، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين . فما قال لنا فهو قول الله ، وما أمرنا فهو أمر الله ، فقال لنا إن ربكم يقول : أنا الله وحدي لا شريك لي كنت إذ لم يكن شئ وكل شئ هالك إلا وجهي ، وأنا خلقت كل شئ وإلي يصير كل شئ ، وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي أنجيكم بها بعد الموت من عذابي ، ولأحلكم داري دار السلام . فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق ، وقال من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم ، ومن أبي فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم ، ومن أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم ، فمن قتل منكم أدخلته جنتي ، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه . فاختر إن شئت الجزية وأنت صاغر ، وإن شئت فالسيف ، : أو تسلم فتنجي نفسك . فقال يزدجرد : أتستقبلني بمثل هذا ؟ فقال : ما استقبلت إلا من كلمني ، ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به . فقال : لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم ، لا شئ لكم عندي . وقال إئتوني بوقر من تراب فاحملوه على أشراف هؤلاء ثم سوقوه

--> ( 1 ) في الطبري والكامل : المغيرة بن زرار بن النباش ، وكان أحد الوفد الذين أرسلهم سعد إلى يزدجرد . ( 2 ) في الطبري : يغير .