ابن كثير

46

البداية والنهاية

يتوسمه ، ولما سمع منهم ، ولما عنده من علم النجوم الذي يعتقد صحته في نفسه لما له من الممارسة لهذا الفن . ولما دنا جيش رستم من سعد أحب سعد أن يطلع على أخبارهم على الجلية ، فبعث رجلا سرية لتأتيه برجل من الفرس وكان في السرية طليحة الأسدي الذي كان ادعى النبوة ثم تاب . وتقدم الحارث مع أصحابه حتى رجعوا . فلما بعث سعد السرية اخترق طليحة الجيوش والصفوف ، وتخطى الألوف ، وقتل جماعة من الابطال حتى أسر أحدهم وجاء به لا يملك من نفسه شيئا ، فسأله سعد عن القوم فجعل يصف شجاعة طليحة ، فقال دعنا من هذا وأخبرنا عن رستم ، فقال : هو في مائة ألف وعشرين ألفا ، ويتبعها مثلها . وأسلم الرجل من فوره رحمه الله . قال سيف عن شيوخه : ولما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه . فبعث إليه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه . فلما قدم عليه جعل رستم يقول له : إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم ، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا . فقال له المغيرة : إنا ليس طلبنا الدنيا ، وإنما همنا وطلبنا الآخرة ، وقد بعث الله إلينا رسولا قال له : إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فأنا منتقم بهم منهم ، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به ، وهو دين الحق ، لا يرغب عنه أحد إلا ذل ، ولا يعتصم به إلا عز . فقال له رستم : فما هو ؟ فقال أما عموده الذي لا يصلح شئ منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، والاقرار بما جاء من عند الله ، فقال ما أحسن هذا ؟ ! وأي شئ أيضا ؟ قال وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله . قال : وحسن أيضا وأي شئ أيضا ؟ قال : والناس بنو آدم [ وحواء ] ( 1 ) ، فهم أخوة لأب وأم ، قال وحسن أيضا . ثم قال رستم : أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا ؟ قال : إي والله ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة . قال : وحسن أيضا . قال : ولما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الاسلام فأنفوا ذلك وأبوا أن يدخلوا فيه قبحهم الله وأخزاهم وقد فعل . قالوا : ثم بعث إليه سعد رسولا آخر بطلبه وهو ربعي بن عامر ، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير ، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة ، والزينة العظيمة ، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة ، وقد جلس على سرير من ذهب . ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة ، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد ، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه . فقالوا له : ضع سلاحك . فقال : إني لم آتكم ، وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت . فقال رستم : إئذنوا له ، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها ، فقالوا له : ما جاء بكم ؟ فقال الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى

--> ( 1 ) من الطبري .