ابن كثير
42
البداية والنهاية
الصديق إلى ملك الروم . وكان من الفرسان . وقتل بأجنادين ، وقيل باليرموك ، والأول أصح والله أعلم * أبو بكر الصديق رضي الله عنه تقدم وله ترجمة مفردة ولله الحمد . سنة أربع عشرة من الهجرة استهلت هذه السنة والخليفة عمر بن الخطاب يحث الناس ويحرضهم على جهاد أهل العراق ، وذلك لما بلغه من قتل أبي عبيد يوم الجسر ، وانتظام شمل الفرس ، واجتماع أمرهم على يزدجرد الذي أقاموه من بيت الملك ، ونقض أهل الذمة بالعراق عهودهم ، ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم ، وآذوا المسلمين وأخرجوا العمال من بين أظهرهم . وقد كتب عمر إلى من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد . قال ابن جرير رحمه الله . وركب عمر رضي الله عنه في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له صرار ، فعسكر به عازما على غزو العراق بنفسه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب ، واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة . ثم عقد مجلسا لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه ، ونودي أن الصلاة جامعة ، وقد أرسل إلى علي فقدم من المدينة ، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق ، إلا عبد الرحمن بن عوف ( 1 ) فإنه قال له : إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر أقطار الأرض ، وإني أرى أن تبعث رجلا وترجع أنت إلى المدينة فارثا ( 2 ) عمر والناس عند ذلك واستصوبوا رأي ابن عوف . فقال عمر : فمن ترى أن نبعث إلى العراق ( 3 ) ؟ فقال : قد وجدته . قال ومن هو ؟ قال الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري . فاستجاد قوله وأرسل إلى سعد فأمره على العراق وأوصاه فقال : يا سعد بن وهيب ( 4 ) لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ، ولكن يمحو السيئ بالحسن ، وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته ، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء ، الله ربهم وهم عباده ، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة ، فانظر الامر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فألزمه ، فإنه الامر . هذه عظتي إياك ، إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين . ولما أراد فراقه قال له : إنك ستقدم على أمر شديد ، فالصبر الصبر على ما أصابك ونابك ، تجمع لك خشية الله ، واعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين ، في طاعته واجتناب معصيته ، وإنما طاعة من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة ، وإنما عصيان من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة . وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاء ، منها السر
--> ( 1 ) في فتوح ابن الأعثم : إلا علي بن أبي طالب ، ( 1 / 172 ) . فقد أشار عليه بالبقاء في المدينة وارسال سعد . ( 2 ) كذا بالأصل ، وفي نسخة : فارفا ، ولعلها فأرفأ بمعنى جنح كما يفهم من النهاية والقاموس . ( 3 ) فقال عمر : فأشيروا علي برجل . كما في الطبري . ( 4 ) في الفتوح : بني وهب وفي الطبري : بني وهيب .