ابن كثير

362

البداية والنهاية

وأدركنا ثأرنا ، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا . فقال : ويحك لو غير علي كان أهون علي ؟ قد عرفت سابقته في الاسلام وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أجدني أنشرح صدرا لقتله . فقال : أما تعلم أنه قتل أهل النهروان ؟ فقال : بلى قال : فنقتله بمن قتل من إخواننا . فأجابه إلى ذلك بعد لأي ودخل شهر رمضان فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت ( 1 ) ، وقال : هذه الليلة التي واعدت أصحابي فيها أن يثأروا بمعاوية وعمرو بن العاص فجاء هؤلاء الثلاثة - وهم ابن ملجم ، ووردان ، وشبيب - وهم مشتملون على سيوفهم فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي ، فلما خرج جعل ينهض الناس من النوم إلى الصلاة ، ويقول : الصلاة الصلاة فثار إليه شبيب بالسيف فضربه فوقع في الطاق ، فضربه ابن ملجم بالسيف على قرنه فسال دمه على لحيته رضي الله عنه ، ولما ضربه ابن ملجم قال : لا حكم إلا لله ليس لك يا علي ولا لأصحابك ، وجعل يتلو قوله تعالى * ( ومن الناس من يشرط نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد ) * [ البقرة : 207 ] ونادى علي : عليكم به ، وهرب وردان فأدركه رجل من حضرموت فقتله ، وذهب شبيب فنجا بنفسه وفات الناس ، ومسك ابن ملجم وقدم على جعدة بن هبيرة بن أبي وهب فصلى بالناس صلاة الفجر ، وحمل علي إلى منزله ، وحمل إليه عبد الرحمن بن ملجم فأوقف بين يديه وهو مكتوف - قبحه الله - فقال له : أي عدو الله ألم أحسن إليك ؟ قال : بلى : قال . فما حملك على هذا : قال ؟ شحذته أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه ، فقال له علي لا أراك إلا مقتولا به ، ولا أراك إلا من شر خلق الله ، ثم قال : إن مت فاقتلوه وإن عشت فأنا أعلم كيف أصنع به ، فقال جندب بن عبد الله : يا أمير المؤمنين إن مت نبايع الحسن ؟ فقال لا آمركم ولا أنهاكم ، أنتم أبصر . ولما احتضر علي جعل يكثر من قول لا إله إلا الله ، لا يتلفظ بغيرها . وقد قيل إن آخر ما تكلم به * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) * [ الزلزلة : 7 ] . وقد أوصى ولديه الحسن والحسين بتقوى الله والصلاة والزكاة وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عن الجاهل والتفقه في الدين والتثبيت في الامر ، والتعاهد للقرآن ، وحسن الجوار ، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واجتناب الفواحش ، ووصاهما بأخيهما محمد بن الحنفية ووصاه بما وصاهما به ، وأن يعظمهما ولا يقطع أمرا دونهما وكتب ذلك كله في كتاب وصيته رضي الله عنه وأرضاه . وصورة الوصية : " بسم الله الرحمن الرحيم ! هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ، أوصيك يا حسن وجميع ولدي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربكم

--> ( 1 ) كذا بالأصل والطبري والكامل ، وفي فتوح ابن الأعثم : يوم ثالث وعشرين من شهر رمضان ، وفي شرح النهج 2 / 175 : تسع عشرة . وفي الكامل للمبرد ص / 550 : إحدى وعشرين من شهر رمضان .