ابن كثير
35
البداية والنهاية
قال سيف بن عمر وكانت هذه الوقعة في شعبان من سنة ثلاث [ عشرة ] ( 1 ) بعد اليرموك بأربعين يوما فالله أعلم ، وتراجع المسلمون بعضهم إلى بعض وكان منهم من فر إلى المدينة فلم يؤنب عمر الناس بل قال أنا فيئكم وأشغل الله المجوس بأمر ملكهم . وذلك أن أهل المدائن عدوا على رستم فخلعوه ثم ولوه وأضافوا إليه الفيرزان ، واختلفوا على فرقتين ( 2 ) ، فركب الفرس إلى المدائن ولحقهم المثنى بن حارثة في نفس من المسلمين ، فعارضه أميران ( 3 ) من أمرائهم في جيشهم ، فأسرهما وأسر معهما بشرا كثيرا فضرب أعناقهم . ثم أرسل المثنى إلى من بالعراق من أمراء المسلمين يستمدهم ، فبعثوا إليه بالامداد ، وبعث إليه عمر بن الخطاب بمدد كثير فيهم جرير بن عبد الله البجلي ، في قومه بجيلة بكمالها ، وغيره من سادات المسلمين ( 4 ) حتى كثر جيشه . وقعت البويب التي اقتص فيها المسلمون من الفرس فلما سمع بذلك أمراء الفرس ، وبكثرة جيوش المثنى ، بعثوا إليه جيشا آخر مع رجل يقال له مهران فتوافوا هم وإياهم بمكان يقال له " البويب " قريب من مكان الكوفة اليوم وبينهما الفرات . فقالوا : إما أن تعبروا إلينا ، أو نعبر إليكم . فقال المسلمون : بل اعبروا إلينا . فعبرت الفرس إليهم فتواقفوا ، وذلك في شهر رمضان . فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فأفطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم ، وعبى الجيش ، وجعل يمر على كل راية من رايات الامراء على القبائل ويعظهم ويحثهم على الجهاد والصبر والصمت . وفي القوم جرير بن عبد الله البجلي في بجيلة وجماعة من سادات المسلمين . وقال المثنى لهم : إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيأوا ، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا . فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول . فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم ، واقتتلوا قتالا شديدا ، ورأى المثنى في بعض صفوفه خللا ، فبعث إليهم رجلا يقول : الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول لكم : لا تفضحوا العرب ( 5 ) اليوم فاعتدلوا . فلما رأى ذلك منهم - وهم بنو عجل - أعجبه وضحك . وبعث إليهم يقول : يا معشر المسلمين عاداتكم ، انصروا الله
--> ( 1 ) من الطبري ، وفي فتوح البلدان : كانت وقعة الجسر يوم السبت في آخر شهر رمضان سنة ثلاث عشرة . ( 2 ) في الطبري : فرقة الفهلوج على رستم وأهل فارس على الفيرزان . ( 3 ) وهما : جابان ومردانشاه . كما في الطبري والكامل . ( 4 ) في ابن الأعثم صار جرير في سبعمائة رجل ، وفي الطبري : بعث عمر جرير في بجيلة ، وعصمة بن عبد الله من بني عبد بن الحارث الضبي فيمن تبعه من بني ضبة ، وهلال بن علقمة التيمي مع الرباب ، وابن المثنى الجشمي مع جشم سعد ، وعبد الله بن ذي السهمين مع أناس من خثعم ، وربعي في بعض بني حنظلة ، وربعي بن عامر بن خالد العنود على بعض بني عمرو وقرط بن جماح على عبد القيس . وابن مردى التغلبي في أناس من بني تغلب ( الطبري 4 / 73 ) ، وأنس بن هلال النمري في بنى النمر . ( 5 ) في الطبري : المسلمين .