ابن كثير

349

البداية والنهاية

العاص إلى معاوية بن خديج أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر ولا يقتله فقال معاوية : كلا والله ، أيقتلون كنانة بن بشر واترك محمد بن أبي بكر ، وقد كان ممن قتل عثمان وقد سألهم عثمان الماء ، وقد سألهم محمد بن أبي بكر أن يسقوه شربة من الماء فقال معاوية : لا سقاني الله إن سقيتك قطرة من الماء أبدا ، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما فتلقاه الله بالرحيق المختوم . وقد ذكر ابن جرير وغيره أن محمد بن أبي بكر نال من معاوية بن خديج هذا ومن عمرو بن العاص ومن معاوية ومن عثمان بن عفان أيضا ، فعند ذلك غضب معاوية بن خديج فقدمه فقتله ثم جعله في جيفة حمار فأحرقه بالنار ، فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وضمت عياله إليها ، وكان فيهم ابنه القاسم وجعلت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص دبر الصلوات . وذكر الواقدي أن عمرو بن العاص قدم مصر في أربعة آلاف فيهم أبو الأعور السلمي فالتقوا مع المصريين بالمسناة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي ، فهرب عند ذلك محمد بن أبي بكر فاختبأ عند رجل يقال له جبلة بن مسروق ، فدل عليه فجاء معاوية بن خديج وأصحابه فأحاطوا به فخرج إليهم محمد بن أبي بكر فقاتل حتى قتل . قال الواقدي : وكان ذلك في صفر من هذه السنة ، قال الواقدي : ولما قتل محمد بن أبي بكر بعث علي الأشتر النخعي إلى مصر فمات في الطريق فالله أعلم . قال : وكانت أذرح في شعبان في هذه السنة أيضا ، وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية يخبره بما كان من الامر وأن الله قد فتح عليه بلاد مصر ورجعوا إلى السمع والطاعة واجتماع الجماعة ، وبما عهد لهم من الامر . وقد زعم هشام بن محمد الكلبي أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة مسك بعد مقتل محمد بن أبي بكر - وكان من جملة المحرضين على قتل عثمان - فبعثه عمرو بن العاص إلى معاوية ولم يبادر إلى قتله لأنه ابن خال معاوية ، فحبسه معاوية بفلسطين فهرب من السجن ، فلحقه رجل يقال له عبد الله بن عمر بن ظلام بأرض البلقاء ، فاختفى محمد بغار فجاءت حمر وحش لتأوي إليه فلما رأته فيه نفرت فتعجب من نفرها جماعة من الحصادين هنالك ، فذهبوا إلى الغار فوجدوه فيه ، فجاء أولئك إليه فخشي عبد الله بن عمرو بن ظلام أن يرده إلى معاوية فيعفو عنه ، فضرب عنقه ، هكذا ذكر ذلك ابن الكلبي . وقد ذكر الواقدي وغيره أن محمد بن أبي حذيفة قتل في سنة ست وثلاثين كما قدمنا . فالله أعلم . وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتابه : ثنا عبد الله بن صالح ، حدثني ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب أن عمرو بن العاص استحل مال قبطي من قبط مصر لأنه استقر عنده أنه كان يظهر الروم على عورات المسلمين - يكتب إليهم بذلك - فاستخرج منه بضعا وخمسين أردبا دنانير ، قال أبو صالح : والأردب ست ويبات الويبة مثل القفيز واعتبرنا الويبة فوجدناها تسعا وثلاثين ألف دينار ، قلت : فعلى هذا يكون يبلغ ما كان أخذ من القبطي ما يقارب ثلاثة عشر ألف ألف دينار . قال أبو مخنف باسناده : ولما بلغ علي بن أبي طالب مقتل محمد بن أبي بكر وما كان بمصر من الامر ، وتملك عمرو لها ، واجتماع الناس عليه وعلى معاوية قام في الناس خطيبا