ابن كثير
347
البداية والنهاية
وبتقدير صحته فمعاوية يستجيز قتل الأشتر لأنه من قتلة عثمان ري الله عنه . والمقصود أن معاوية وأهل الشام فرحوا فرحا شديدا بموت الأشتر النخعي ، ولما بلغ ذلك عليا تأسف على شجاعته وغنائه ، وكتب إلى محمد بن أبي بكر باستقراره واستمراره بديار مصر ( 1 ) ، غير أنه ضعف جأشه مع ما كان فيه من الخلاف عليه من العثمانية الذين ببلد خربتا وقد كانوا استفحل أمرهم حين انصرف علي من صفين ، وحين كان من أمر التحكيم ما كان ، وحين نكل أهل العراق عن قتال أهل الشام ، وقد كان أهل الشام حين انقضت الحكومة بدومة الجندل سلموا على معاوية بالخلافة وقوي أمرهم جدا ، فعند ذلك جمع معاوية أمراءه عمرو بن العاص ، وشرحبيل بن السمط وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، والضحاك بن قيس ، وبسر بن أبي أرطاة ، وأبا الأعور السلمي ، وحمزة بن سنان الهمداني وغيرهم ، فاستشارهم في المسير إلى ديار مصر فاستجابوا له وقالوا : سر حيث شئت فنحن معك ، وعين معاوية نيابتها لعمرو بن العاص إذا فتحها ففرح بذلك عمرو بن العاص ، ثم قال عمرو لمعاوية : أرى أن تبعث إليهم رجالا مع رجل مأمون عارف بالحرب ، فإن بها جماعة ممن يوالي عثمان فيساعدونه على حرب من خالفهم ، فقال معاوية : لكن أرى أن أبعث إلى شيعتنا ممن هنالك كتابا يعلمهم بقدومهم عليهم ، ونبعث إلى مخالفينا كتابا ندعوهم فيه إلى الصلح . وقال معاوية : إنك يا عمرو رجل بورك لك في العجلة وإني امرؤ بورك لي في التؤدة ، فقال عمرو : افعل ما أراك الله ، فوالله ما أمرك وأمرهم إلا سيصير إلى الحرب العوان ، فكتب عند ذلك معاوية إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري ، وإلى معاوية بن خديج السكوني - وهما رئيسا العثمانية ببلاد مصر ممن لم يبايع عليا ولم يأتمر بأمر نوابه بمصر في نحو من عشرة آلاف - يخبرهم بقدوم الجيش عليهم سريعا ، وبعث به مع مولى له يقال له سبيع ( 2 ) ، فلما وصل الكتاب إلى مسلمة ومعاوية بن خديج فرحا به وردا جوابه بالاستبشار والمعاونة والمناصرة له ولمن يبعثه من الجيوش والجند والمدد إن شاء الله تعالى ، فعند ذلك جهز معاوية عمرو بن العاص في ستة آلاف ( 3 ) ، وخرج معاوية مودعا وأوصاه بتقوى الله والرفق والمهل والتؤدة ، وأن يقتل من قاتل ويعفو عمن أدبر ، وأن يدعو الناس إلى الصلح والجماعة ، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك ، فسار عمرو بن العاص إلى مصر ، فلما قدمها اجتمعت عليه العثمانية فقادهم ، وكتب عمرو بن العاص إلى محمد بن أبي بكر : أما بعد فتنح فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر ،
--> ( 1 ) في مروج الذهب 2 / 455 : كانت تولية علي للأشتر على مصر بعد مقتل محمد بن أبي بكر وفي ولاة مصر للكندي ص 46 : سار إليها في مستهل رجب سنة سبع وثلاثين بعد قيس بن عبادة ثم كانت ولاية محمد بن أبي بكر في رمضان سنة سبع وثلاثين بعد مقتل الأشتر . ( 2 ) انظر نص الكتاب في الطبري 6 / 57 وقد أشار إليه ابن الأثير في الكامل 3 / 355 . ( 3 ) كذا بالأصل وفي الطبري والكامل ، وفي مروج الذهب : أربعة آلاف .