ابن كثير
341
البداية والنهاية
أفيضوا في ذكر الله فإنه أحسن الذكر ، وارغبوا فيما وعد المتقون فإن وعد الله أصدق الوعد ، واقتدوا بهدي نبيكم صلى الله عليه وسلم فإنه أفضل الهدى ، واستسنوا بسنته فإنها أفضل السنن ، وتعلموا كتاب الله فإنه أفضل الحديث ، وتفقهوا في الدين فإنه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره فإنه شفاء لما في الصدور ، وأحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص ، وإذا قرئ عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ، وإذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم به لعلكم تهتدون ، فإن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الجائر الذي لا يستقيم عن جهله ، بل قد رأيت أن الحجة أعظم ، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه على هذا الجاهل المتحير في جهله ، وكلاهما مضلل مثبور ، لا ترتابوا فتشكوا ، ولا تشكوا فتكفروا ، ولا ترخصوا لأنفسكم فتذهلوا ، ولا تذهلوا في الحق فتخسروا ، ألا وان من الحزم أن تثقوا ، ومن الثقة أن لا تغتروا ، وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه وإن أغشكم لنفسه أعصاكم لربه ، من يطع الله يأمن ويستبشر ، ومن يعص الله يخف ويندم ، ثم سلوا الله اليقين وارغبوا إليه في العافية ، وخير ما دام في القلب اليقين ، إن عوازم الأمور أفضلها ، وإن محدثاتها شرارها وكل محدث بدعة وكل محدث مبتدع ، ومن ابتدع فقد صيع ، وما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة ، المغبون من غبن دينه ، والمغبون من خسر نفسه ، وإن الربا من الشرك ، وإن الاخلاص من العمل والايمان ، ومجالس اللهو تنسي القرآن ويحضرها الشيطان ، وتدعو إلى كل غي ، ومجالسة النساء تزيغ القلوب وتطمح إليه الابصار ، وهي مصائد الشيطان ، فأصدقوا الله فإن الله مع من صدق وجانبوا الكذب فإن الكذب مجانب للايمان ألا إن الصدق على شرف منجاة وكرامة ، وإن الكذب على شرف ردئ وهلكة ، ألا وقولوا الحق تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله ، وأدوا الأمانة إلى من ائتمنكم ، وصلوا أرحام من قطعكم وعودوا بالفضل على من حرمكم ، وإذ عاهدتم فأوفوا ، وإذا حكمتم فاعدلوا ، ولا تفاخروا بالآباء ، ولا تنابزوا بالألقاب ، ولا تمازحوا ، ولا يغضب بعضكم بعضا ، وأعينوا الضعيف والمظلوم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ، وارحموا الأرملة واليتيم ، وأفشوا السلام وردوا التحية على أهلها بمثلها أو بأحسن منها * ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) * [ المائدة : 2 ] وأكرموا الضيف ، وأحسنوا إلى الجار ، وعودوا المرضى ، وشيعوا الجنائز ، وكونوا عباد الله إخوانا ، أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ( 1 ) ، وإن الآخرة قد أظلت وأشرفت باطلاع ، وان المضمار ( 2 ) اليوم وغدا السباق وإن السبقة ( 3 ) الجنة والغاية النار ، ألا وإنكم في أيام مهل من ورائها أجل يحثه عجل ، فمن أخلص لله
--> ( 1 ) آذانت بوداع : أعلمت ، وإيذانها بالوداع إنما هو بما أودع في طبيعتها من التغلب والتحول . ( 2 ) المضمار : الموضع والزمن الذي تضمر فيه الخيل ، وتضمير الخيل أن تربط ويكثر علفها وماؤها حتى تسمن ثم يقلل علفها وماؤها وتجري في الميدان حتى تهزل . ( 3 ) السبقة : بالتحريك ، الغاية التي يجب السابق أن يصل إليها . وبالفتح المرة من السبق . ومن معاني السبقة بالتحريك الرهن .