ابن كثير
319
البداية والنهاية
الجلية ، فلما قدم عليهم قتلوه ولم ينظروه ، فلما بلغ ذلك عليا عزم على الذهاب إليهم أولا قبل أهل الشام . مسير أمير المؤمنين علي إلى الخوارج لما عزم علي ومن معه من الجيش على البداءة بالخوارج ، نادى مناديه في الناس بالرحيل فعبر الجسر فصلى ركعتين عنده ثم سلك على دير عبد الرحمن ، ثم دير أبي موسى ، ثم على شاطئ الفرات ، فلقيه هنالك منجم ( 1 ) فأشار عليه بوقت من النهار يسير فيه ولا يسير في غيره ، فإنه يخشى عليه فخالفه علي فسار على خلاف ما قال فأظفره الله ، وقال علي : إنما أردت أن أبين للناس خطأه وخشيت أن يقول جاهل ، : إنما ظفر لكونه وافقه ، وسلك علي ناحية الأنبار وبعث بين يديه قيس بن سعد ، وأمره أن يأتي المدائن وأن يتلقاه بنائبها سعد بن مسعود ، وهو أخو عبد الله بن مسعود الثقفي - في جيش المدائن فاجتمع الناس هنالك على علي ، وبعث إلى الخوارج : أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم حتى أقتلهم ثم أنا تارككم وذاهب إلى العرب - يعني أهل الشام - ثم لعل الله أن يقبل بقلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه . فبعثوا إلى علي يقولون : كلنا قتل إخوانكم ونحن مستحلون دماءهم ودماءكم . فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة فوعظهم فيما ارتكبوه من الامر العظيم ، والخطب الجسيم ، فلم ينفع وكذلك أبو أيوب الأنصاري أنبهم ووبخهم فلم ينجع ، وتقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إليهم فوعظهم وخوفهم وحذرهم وأنذرهم وتوعدهم وقال : إنكم أنكرتم علي أمرا أنتم دعوتموني إليه فنهيتكم عنه فلم تقبلوا وها أنا وأنتم فارجعوا إلى ما خرجتم منه ولا ترتكبوا محارم الله ، فإنكم قد سولت لكم أنفسكم أمرا تقتلون عليه المسلمين ، والله لو قتلتم عليه دجاجة لكان عظيما عند الله ، فكيف بدماء المسلمين ؟ فلم يكن لهم جواب إلا أن تنادوا فيما بينهم أن لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيئوا للقاء الرب عز وجل ، الرواح الرواح إلى الجنة . وتقدموا فاصطفوا للقتال وتأهبوا للنزال فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصن ( 2 ) الطائي السنبسي ، وعلى الميسرة شريح بن أوفى ، وعلى خيالتهم حمزة بن سنان ، وعلى الرجالة حرقوص بن زهير السعدي . ووقفوا مقاتلين لعلي وأصحابه . وجعل علي على ميمنته حجر بن عدي ، وعلى الميسرة شبيث بن ربعي ومعقل بن قيس الرياحي ، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري ، وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري ، وعلى أهل المدينة - وكانوا في سبعمائة - قيس بن سعد بن عبادة ، وأمر علي أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج ويقول لهم : من جاء إلى هذه الراية فهو آمن ، ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن ، إنه لا حاجة لنا فيكم إلا فيمن قتل إخواننا ، فانصرف منهم طوائف كثيرون - وكانوا في أربعة آلاف - فلم يبق منهم إلا ألف
--> ( 1 ) ذكره الكامل 3 / 343 : مسافر بن عفيف الأزدي . ( 2 ) في الطبري والكامل والاخبار الطوال : حصين .