ابن كثير
317
البداية والنهاية
رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين ، وتواطأوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس ويتحصنوا بها ويبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم - ممن هو على رأيهم ومذهبهم ، من أهل البصرة وغيرها - فيوافوهم إليها . ويكون اجتماعهم عليها . فقال لهم زيد بن حصن الطائي : إن المدائن لا تقدرون عليها ، فإن بها جيشا لا تطيقونه وسيمنعوها منكم ، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخى ( 1 ) ، ولا تخرجوا من الكوفة جماعات ، ولكن اخرجوا وحدانا لئلا يفطن بكم ، فكتبوا كتابا عاما إلى من هو على مذهبهم ومسلكهم من أهل البصرة وغيرها وبعثوا به إليهم ليوافوهم إلى النهر ليكونوا يدا واحدة على الناس ، ثم خرجوا يتسللون وحدانا لئلا يعلم أحد بهم فيمنعوهم من الخروج فخرجوا من بين الآباء والأمهات والأخوال والخالات وفارقوا سائر القرابات ، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الامر يرضي رب الأرض والسماوات ، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات ، والعظائم والخطيئات ، وأنه مما زينه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السماوات الذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات ، والله المسؤول أن يعصمنا منه بحوله وقوته إنه مجيب الدعوات ، وقد تدارك جماعة من الناس بعض أولادهم وإخوانهم فردوهم وأنبوهم ووبخوهم فمنهم من استمر على الاستقامة ، ومنه من فر بعد ذلك فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة ، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ووافى إليهم من كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها ، واجتمع الجميع بالنهروان وصارت لهم شوكة ومنعة ، وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة وعندهم أنهم متقربون بذلك . فهم لا يصطلى لهم بنار ، ولا يطمع في أن يؤخذ منهم بثأر ، وبالله المستعان . وقال أبو مخنف عن أبي روق عن الشعبي : أن عليا لما خرجت الخوارج إلى النهروان وهرب أبو موسى إلى مكة ، ورد ابن عباس إلى البصرة ، قام في الناس بالكوفة خطيبا فقال : الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح ، والحدثان الجليل الكادح ، وأشهد أن لا إله غيره وأن محمدا رسول الله ، أما بعد فإن المعصية تشين وتسوء وتورث الحسرة ، وتعقب الندم ، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة بأمري ، ونحلتكم رأيي ، فأبيتم إلا ما أردتم ، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن : ( 2 ) بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى ( 3 ) * فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به وأنبهما ، وقال ما فيه حط عليهما ، ثم ندب
--> ( 1 ) نهر جوخى : عليه كورة واسعة في سواد بغداد ، وهو بين خانقين وخوزستان ( معجم البلدان ) . ( 2 ) في مروج الذهب 2 / 446 أخو بني جشم ، وأخو جشم أو هوازن هو دريد بن الصمة أحد الفرسان المعمرين في الجاهلية ، أدرك الاسلام ولم يسلم وقتل على دين الجاهلية يوم حنين . ( 3 ) في مروج الذهب والطبري 6 / 43 أمرتهم أمري بمنعرج اللوى . وفي شرح النهج 2 / 13 : النصح بدل الرشد ، وفي ابن الأعثم 4 / 102 : أمرتكم أمري بمنقطع اللوى فلم تستبينوا . . . .