ابن كثير

310

البداية والنهاية

فهذا الحديث من دلائل النبوة إذ قد وقع الامر طبق ما أخبر به عليه الصلاة والسلام ، وفيه الحكم باسلام الطائفتين أهل الشام وأهل العراق ، لا كما يزعمه فرقة الرافضة والجهلة الطغام ، من تكفيرهم أهل الشام ، وفيه أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق ، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن عليا هو المصيب وإن كان معاوية مجتهدا ، وهو مأجور إن شاء الله ، ولكن علي هو الامام فله أجران كما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر " ( 1 ) وسيأتي بيان كيفية قتال علي رضي الله عنه للخوارج ، وصفة المخدج الذي أخبر عنه عليه السلام فوجد كما أخبر ففرح بذلك علي رضي الله عنه وسجد للشكر . فصل قد تقدم أن عليا رضي الله عنه لما رجع من الشام بعد وقعة صفين ، ذهب إلى الكوفة ، فلما دخلها انعزل عنه طائفة من جيشه ، قيل ستة عشر ألفا وقيل اثني عشر ألفا ، وقيل أقل من ذلك ، فباينوه وخرجوا عليه وأنكروا أشياء ، فبعث إليهم عبد الله بن عباس فناظرهم فيها ورد عليهم ما توهموه شبهة ، ولم يكن له حقيقة في نفس الامر ، فرجع بعضهم واستمر بعضهم على ضلالهم حتى كان منهم ما سنورده قريبا ، ويقال إن عليا رضي الله عنه ذهب إليهم فناظرهم فيما نقموا عليه حتى استرجعهم عما كانوا عليه ، ودخلوا معه الكوفة ، ثم إنهم عاهدوا فنكثوا ما عاهدوا عليه وتعاهدوا فيما بينهم على القيام بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والقيام على الناس في ذلك ثم تحيزوا إلى موضع يقال له النهروان ، وهناك قاتلهم علي كما سيأتي . قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع ، حدثني يحيى بن سليم ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القارئ قال : جاء عبد الله بن شداد فدخل على عائشة ونحن عندها مرجعه من العراق ليالي قتل علي ، فقالت له : يا عبد الله بن شداد هل أنت صادقي عما أسألك عنه ؟ فحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي ، فقال : ومالي لا أصدقك ؟ قالت : فحدثني عن قصتهم ، قال : فإن عليا لما كتب معاوية وحكم الحكمان خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة ، وأنهم عتبوا عليه فقالوا : انسلخت من قميص ألبسكه الله ، واسم سماك به الله ثم انطلقت فحكمت في يدن الله ولا حكم إلا لله ، فلما أن بلغ عليا ما عتبوا عليه وفارقوه عليه ، أمر فأذن مؤذن أن لا يدخل على أمير المؤمنين رجل إلا رجلا قد حمل القرآن ، فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الاعتصام ( 21 ) ومسلم في الأقضية باب ( 15 ) وأبو داود في الأقضية ( 2 ) والترمذي في الاحكام ( 2 ) والنسائي في القضاء ( 3 ) وأحمد في المسند 2 / 187 و 4 / 198 ، 204 ، 205 وابن ماجة في الاحكام ( 3 ) .