ابن كثير
282
البداية والنهاية
وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإنه لما فرغ من وقعة الجمل ودخل البصرة وشيع أم المؤمنين عائشة لما أرادت الرجوع إلى مكة ، سار من البصرة إلى الكوفة قال أبو الكنود عبد الرحمن بن عبيد فدخلها علي يوم الاثنين لثنتي عشرة ( 1 ) ليلة خلت من رجب سنة ست وثلاثين فقيل له : انزل بالقصر الأبيض ، فقال : لا ! إن عمر بن الخطاب كان يكره نزوله فأنا أكرهه لذلك ، فنزل في الرحبة وصلى في الجامع الأعظم ركعتين ، ثم خطب فحثهم على الخير ونهاهم عن الشر ، ومدح أهل الكوفة في خطبته هذه ، ثم بعث إلى جرير بن عبد الله - وكان على همذان من زمان عثمان - وإلى الأشعث بن قيس - وهو على نيابة أذربيجان من زمان عثمان - أن يأخذا البيعة على من هنالك من الرعايا ثم يقبلا إليه ، ففعلا ذلك . فلما أراد علي رضي الله عنه أن يبعث إلى معاوية رضي الله عنه يدعوه إلى بيعته قال جرير بن عبد الله : أنا أذهب إليه يا أمير المؤمنين فإن بيني وبينه ودا ، فآخذ لك منه البيعة ، فقال الأشتر : لا تبعثه يا أمير المؤمنين فإني أخشى أن يكون هواه معه . فقال علي : دعه ، وبعثه وكتب معه كتابا إلى معاوية يعلمه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته ( 2 ) ، ويخبره بما كان في وقعة الجمل ، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس . فلما انتهى إليه جرير بن عبد الله أعطاه الكتاب فطلب معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان ، أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان ، وإن لم يفعل قاتلوه ولم يبايعوه حتى يقتل قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه . فرجع جرير إلى علي فأخبره بما قالوا ، فقال الأشتر : يا أمير المؤمنين ألم أنهك أن تبعث جريرا ؟ فلو كنت بعثتني لما فتح معاوية بابا إلا أغلقته . فقال له جرير : لو كنت ثم لقتلوك بدم عثمان . فقال الأشتر : والله لو بعثتني لم يعيني جواب معاوية ولأعجلنه عن الفكرة ، ولو أطاعني قبل لحبسك وأمثالك حتى يستقيم أمر الأمة ، فقام جرير مغضبا وأقام بقرقيسيا ، وكتب إلى معاوية يخبره بما قال وما قيل له ، فكتب إليه معاوية يأمره بالقدوم عليه وخرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من الكوفة عازما على الدخول إلى الشام فعسكر بالنخيلة ( 3 ) واستخلف على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر البدري الأنصاري وكان قد أشار عليه جماعة بأن يقيم بالكوفة ويبعث الجنود وأشار آخرون أن يخرج فيهم بنفسه ، وبلغ معاوية أن عليا قد خرج بنفسه فاستشار عمرو بن العاص فقال له : أخرج أنت أيضا بنفسك ، وقام عمرو بن العاص في الناس فقال : إن صناديد أهل الكوفة والبصرة قد تفانوا يوم الجمل ، ولم يبق مع علي إلا شرذمة قليلة من الناس ، ممن قتل ، وقد قتل الخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، فالله
--> ( 1 ) كذا بالأصل ومروج الذهب والاخبار الطوال ، وفي فتوح ابن الأعثم 2 / 347 : لستة عشر يوما خلت . . . ( 2 ) في فتوح ابن الأعثم 2 / 352 : أن علي كتب كتابا إلى معاوية وأرسله مع الحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري وذلك قبل إرساله جرير بن عبد الله إلى معاوية . وانظر كتاب علي إلى معاوية مع جرير بن عبد الله في الاخبار الطوال ص 157 . وفتوح ابن الأعثم 2 / 374 . ( 3 ) النخيلة : تصغير نخلة ، موضع قرب الكوفة على سمت الشام ( معجم البلدان ) .