ابن كثير
280
البداية والنهاية
صلوات الله وسلامه عليه وبركاته ورحمته ، ثم إن المسلمين استخلفوا بعده أميرين صالحين ، عمالا بالكتاب [ والسنة ] ، وأحسنا السيرة ولم يعدوا السنة ثم توفاهما الله فرحمهما الله ، ثم ولى بعدهما وال أحدث أحداثا ، فوجدت الأمة عليه مقالا فقالوا ، ثم نقموا عليه فغيروا ، ثم جاؤوني فبايعوني فأستهدي الله بهداه وأستعينه على التقوى ، ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة رسول الله ، والقيام عليكم بحقه والنصح لكم بالغيب والله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وقد بعثت إليكم قيس بن سعد بن عبادة [ أميرا ] ( 1 ) فوازروه وكاتفوه وأعينوه على الحق ، وقد أمرته بالاحسان إلى محسنكم والشدة على مريبكم والرفق بعوامكم وخواصكم ، وهو ممن أرضى هديه وأرجو صلاحه ونصيحته أسأل الله لنا ولكم عملا زاكيا وثوابا جزيلا ورحمة واسعة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وكتب عبد الله بن أبي رافع في صفر سنة ست وثلاثين قال : ثم قال قيس بن سعد فخطب الناس ودعاهم إلى البيعة لعلي ، فقام الناس فبايعوه ، واستقامت له طاعة بلاد مصر سوى قرية منها يقال لها خربتا ( 2 ) ، فيها ناس قد أعظموا قتل عثمان - وكانوا سادة الناس ووجوههم وكانوا في نحو من عشرة آلاف وعليهم رجل يقال له يزيد بن الحارث المدلجي - وبعثوا إلى قيس بن سعد فوادعهم ، وكذلك مسلمة بن مدلج الأنصاري تأخر عن البيعة فتركه قيس بن سعد ووادعه ، ثم كتب معاوية بن أبي سفيان - وقد استوثق له أمر الشام بحذافيره - إلى أقصى بلاد الروم والسواحل وجزيرة قبرص أيضا تحت حكمه وبعض بلاد الجزيرة كالرها وحران وقرقيسيا وغيرها ، وقد ضوي إليها الذين هربوا يوم الجمل من العثمانية ، وقد أراد الأشتر انتزاع هذه البلاد من يد نواب معاوية ، فبعث إليه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ففر منه الأشتر ، واستقر أمر معاوية على تلك البلاد فكتب إلى قيس بن سعد يدعوه إلى القيام بطلب دم عثمان وأن يكون مؤازرا له على ما هو بصدده من القيام في ذلك ، ووعده أن يكون نائبه على العراقين إذا تم له الامر ما دام سلطانا فلما بلغه الكتاب - وكان قيس رجلا حازما - لم يخالفه ولم يوافقه بل بعث يلاطف معه الامر وذلك لبعده عن علي وقربه من بلاد الشام وما مع معاوية من الجنود ، فسالمه قيس وتاركه ولم يواقعه على ما دعاه إليه ولا وافقه عليه : فكتب إليه معاوية : إنه لا يسعك معي تسويقك بي وخديعتك لي ولابد أن أعلم أنك سلم أو عدو - وكان معاوية حازما أيضا - فكتب إليه بما صمم عليه : إني مع علي إذ هو أحق بالامر منك فلما بلغ ذلك معاوية بن أبي سفيان يئس منه ( 3 ) ورجع ثم أشاع بعض أهل الشام أن
--> ( 1 ) نص الكتاب في الطبري 5 / 227 وما بين معكوفين من الطبري . ( 2 ) كذا بالأصل والطبري ، وفي الكامل 3 / 269 خرنبا . قال ياقوت : خرنبا خطأ وخربتا كور من كور مصر وهو حوالي الإسكندرية وهو الآن خراب لا يعرف ( معجم البلدان ) . ( 3 ) انظر الطبري 5 / 228 - 229 والكامل 3 / 269 - 270 نصوص الكتب المتبادلة بين قيس بن سعد ومعاوية بن أبي سفيان .