ابن كثير

268

البداية والنهاية

عليه منه عليه ، فلهذا كف عنه ، وقد كان من سنتهم في هذا اليوم أنه لا يذفف على جريح ، ولا يتبع مدبر ، وقد قتل مع هذا خلق كثير جدا ، حتى جعل علي يقول لابنه الحسن : يا بني ليت أباك مات قبل هذا اليوم بعشرين عاما فقال له : يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا . قال سعيد بن أبي عجرة عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عبادة قال : قال علي يوم الجمل : يا حسن ليت أباك مات منذ عشرين سنة ، فقال له : يا أبه قد كنت أنهاك عن هذا ، قال : يا بني إني لم أر أن الامر يبلغ هذا . وقال مبارك بن فضالة عن الحسن بن أبي بكرة : لما اشتد القتال يوم الجمل ، ورأى علي الرؤوس تندر أخذ علي ابنه الحسن فضمه إلى صدره ثم قال : إنا لله يا حسن ! أي خير يرجى بعد هذا ؟ فلما ركب الجيشان وتراءى الجمعان وطلب علي طلحة والزبير ليكلمهما ، فاجتمعوا حتى التفت أعناق خيولهم ، فيقال إنه قال لهما : إني أراكما قد جمعتما خيلا ورجالا وعددا ، فهل أعددتما عذرا يوم القيامة ؟ فاتقيا الله ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ، ألم أكن حاكما في دمكما تحرمان دمي وأحرم دمكما ، فهل من حديث أحل لكما دمي ؟ فقال طلحة : ألبت على عثمان . فقال علي * ( يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ) * [ النور : 25 ] ، ثم قال : لعن الله قتلة عثمان ، ثم قال : يا طلحة ! أجئت بعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم تقاتل بها ، وخبأت عرسك في البيت ؟ أما بايعتني ؟ قال : بايعتك والسيف على عنقي . وقال للزبير : ما أخرجك ؟ قال : أنت ، ولا أراك بهذا الامر أولى به مني . فقال له علي : أما تذكر يوم مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني غنم فنظر إلي وضحك وضحكت إليه ، فقلت : لا يدع ابن أبي طالب زهوه ، فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه ليس بمتمرد لتقاتلنه وأنت ظالم له " ؟ فقال الزبير : اللهم نعم ! ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا ، ووالله لا أقاتلك . وفي هذا السياق كله نظر ، والمحفوظ منه الحديث ، فقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي فقال : حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الدوري ، حدثنا أبو عاصم عن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مسلم الرقاشي ، عن جده عبد الملك عن أبي جرو ( 1 ) المازني . قال : شهدت عليا والزبير حين تواقفا ، فقال له علي : يا زبير ! أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنك تقاتلني وأنت ظالم " ؟ قال : نعم ! لم أذكره إلا في موقفي هذا ، ثم انصرف . وقد رواه البيهقي عن الحاكم عن أبي الوليد الفقيه ، عن الحسن بن سفيان عن قطن بن بشير ، عن جعفر بن سليمان ، عن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مسلم الرقاشي ( 2 ) عن جده عن أبي جرو ( 1 ) المازني عن علي والزبير به * وقال عبد الرزاق : أنا معمر عن قتادة قال : لما ولى الزبير يوم الجمل بلغ عليا فقال : لو كان ابن صفية يعلم أنه على حق ما ولي ، وذلك أن رسول الله

--> ( 1 ) في الأصل : أبي حزم تحريف والصواب ما أثبتناه من تقريب التهذيب وهو من الثالثة مقبول . ( 2 ) عبد الملك بن مسلم الرقاشي قال البخاري بعد أن سرد هذا الخبر ، لم يصح حديثه الميزان ( 2 / 664 ) .