ابن كثير

264

البداية والنهاية

أبو موسى يكفكف الناس ، وكثر اللغط ، وارتفعت الأصوات ، وقال أبو موسى أيها الناس ، أطيعوني وكونوا خير قوم من خير أمم العرب ، يأوي إليهم المظلوم ، ويأمن فيهم الخائف ، وإن الفتنة إذا أقبلت شبهت ، وإذا أدبرت تبينت ثم أمر الناس بكف أيديهم ولزوم بيوتهم ، فقام زيد بن صوحان فقال : أيها الناس سيروا إلى أمير المؤمنين ، وسيد المسلمين سيروا إليه . أجمعون ، فقام القعقاع بن عمرو فقال : إن الحق ما قاله الأمير ، ولكن لابد للناس من أمير يردع الظالم ويعدي المظلوم ، وينتظم به شمل الناس ، وأمير المؤمنين علي ولي بما ولي ، وقد أنصف بالدعاء ، وإنما يريد الاصلاح ، فانفروا إليه ، وقام عبد خير فقال : الناس أربع فرق ، علي بمن معه في ظاهر الكوفة ، وطلحة والزبير بالبصرة ، ومعاوية بالشام ، وفرقة بالحجاز لا تقاتل ولا عناء بها ، فقال أبو موسى : أولئك خير الفرق ، وهذه فتنة . ثم تراسل الناس في الكلام ثم قام عمار والحسن بن علي في الناس على المنبر يدعوان الناس إلى النفير إلى أمير المؤمنين ، فإنه إنما يريد الاصلاح بين الناس ، وسمع عمار رجلا يسب عائشة فقال : اسكت مقبوحا منبوحا ، والله إنها لزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أتطيعوه أو إياها ، رواه البخاري وقام حجر بن عدي فقال : أيها الناس ، سيروا إلى أمير المؤمنين ، * ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون ) * [ التوبة : 41 ] وجعل الناس كلما قام رجل فحرض الناس على النفير يثبطهم أبو موسى من فوق المنبر ، وعمار والحسن معه على المنبر حتى قال له الحسن بن علي : ويحك ! اعتزلنا لا أم لك ، ودع منبرنا ، ويقال إن عليا بعث الأشتر فعزل أبا موسى عن الكوفة وأخرجه من قصر الامارة من تلك الليلة ، واستجاب الناس للنفير فخرج مع الحسن تسعة آلاف في البر وفي دجلة ( 1 ) ، ويقال سار معه اثني عشر ألف رجل ورجل واحد ، وقدموا على أمير المؤمنين فتلقاهم بذي قار إلى أثناء الطريق في جماعة ، منهم ابن عباس فرحب بهم وقال : يا أهل الكوفة ! أنتم لقيتم ملوك العجم ففضضتم جموعهم ، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة ، فإن يرجعوا فذاك الذي نريده ، وإن أبوا داويناهم بالرفق حتى يبدأونا بالظلم ، ولم ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله تعالى . فاجتمعوا عنده بذي قار ، وكان من المشهورين من رؤساء من الفاف إلى علي ، القعقاع بن عمرو ، وسعد بن مالك ، وهند بن عمرو ، والهيثم بن شهاب ، وزيد بن صوحان ، والأشتر ، وعدي بن حاتم ، والمسيب بن نجبة ، ويزيد بن قيس ، وحجر بن عدي وأمثالهم ، وكانت عبد القيس بكمالها بين علي وبين البصرة ينتظرونه وهم ألوف ، فبعث علي القعقاع رسولا إلى طلحة والزبير بالبصرة يدعوهما إلى الألفة والجماعة ، ويعظم عليهما الفرقة والاختلاف ، فذهب القعقاع إلى البصرة فبدأ بعائشة أم المؤمنين . فقال : أي أماه ! ما أقدمك

--> ( 1 ) في الكامل 3 / 231 ستة آلاف ومائتان في البر ، وفي الماء ألفان وأربعمائة ( انظر الطبري 5 / 191 وفتوح ابن الأعثم 2 / 292 ) .