ابن كثير
258
البداية والنهاية
جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سفكوا الدماء ، وأخذوا الأموال . فاستجاب الناس لها ، وطاوعوها على ما تراه من الامر بالمصلحة ، وقالوا لها : حيثما ما سرت سرنا معك ، فقال قائل نذهب إلى الشام ، فقال بعضهم : إن معاوية قد كفاكم أمرها ، ولو قدموها لغلبوا ، واجتمع الامر كله لهم ، لان أكابر الصحابة معهم وقال آخرون : نذهب إلى المدينة فنطلب من علي أن يسلم إلينا قتلة عثمان فيقتلوا ، وقال آخرون : بل نذهب إلى البصرة فنتقوى من هنالك بالخيل والرجال ، ونبدأ بمن هناك من قتلة عثمان . فاتفق الرأي على ذلك وكان بقية أمهات المؤمنين قد وافقن عائشة على المسير إلى المدينة ، فلما اتفق الناس على المسير إلى البصرة رجعن عن ذلك وقلن : لا نسير إلى غير المدينة ، وجهز الناس يعلى بن أمية فأنفق فيهم ستمائة بعير وستمائة ألف درهم ( 1 ) وجهزهم ابن عامر أيضا بمال كثير ، وكانت حفصة بنت عمر أم المؤمنين قد وافقت عائشة على المسير إلى البصرة ، فمنعها أخوها عبد الله من ذلك ، وأبى هو أن يسير معهم إلى غير المدينة ، وسار الناس صحبة عائشة في ألف فارس ، وقيل تسعمائة فارس من أهل المدينة ومكة ، وتلاحق بهم آخرون ، فصاروا في ثلاثة آلاف ، وأم المؤمنين عائشة تحمل في هودج على حمل اسمه عسكر ، اشتراه يعلى بن أمية من رجل من عرينة بمائتي دينار ، وقبل بثمانين دينارا ، وقيل غير ذلك ، وسار معها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق ففارقنها هنالك وبكين للوداع ، وتباكى الناس ، وكان ذلك اليوم يسمى يوم النحيب ، وسار الناس قاصدين البصرة ، وكان الذي يصلي بالناس عن أمر عائشة ابن أختها عبد الله ابن الزبير ( 2 ) ، ومروان بن الحكم يؤذن للناس في أوقات الصلوات ، وقد مروا في مسيرهم ليلا بماء يقال له الحوأب ، فنبحتهم كلاب عنده ، فلما سمعت ذلك عائشة قالت : ما اسم هذا المكان ؟ قالوا الحوأب ، فضربت بإحدى يديها على الأخرى وقالت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ما أظنني إلا راجعة ، قالوا : ولم ؟ قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنسائه : " ليت شعري أيتكن التي تنبحها كلاب الحوأب " ، ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته ، وقالت : ردوني ردوني ، أنا والله صاحبة ماء الحوأب ، وقد أوردنا هذا الحديث بطرقه وألفاظه في دلائل النبوة كما سبق ، فأناخ الناس حولها يوما وليلة ، وقل لها عبد الله بن الزبير : إن الذي أخبرك أن هذا ماء الحوأب قد كذب ( 3 ) ، ثم قال الناس : النجا النجا ، هذا جيش علي بن أبي طالب قد أقبل ، فارتحلوا نحو البصرة ، فلما اقتربت من البصرة كتبت إلى الأحنف بن قيس وغيره من رؤوس الناس ، أنها قد قدمت ، فبعث عثمان بن حنيف عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي إليها ليعلما ما جاءت له ، فلما قدما عليها سلما عليها واستعلما منها ما جاءت له ، فذكرت لهما ما الذي جاءت له من القيام
--> ( 1 ) في فتوح ابن الأعثم : ستين ألف دينار وفي رواية عوف أعان يعلى بأربعمائة ألف وحمل سبعين رجلا من قريش . ( 2 ) في رواية في الطبري : عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد . ( 3 ) جاء ابن الزبير بخمسين رجلا شهدوا عند عائشة هذا الماء ليس بماء الحوأب ، فكانت هذه أول شهادة زور شهد بها في الاسلام .