ابن كثير

256

البداية والنهاية

العراق ، ومفارقة المدينة ، فأبى عليه ذلك كله ، وطاوع أمر أولئك الامراء من أولئك الخوارج من أهل الأمصار . قال ابن جرير : وفي هذه السنة قصد قسطنطين بن هرقل بلاد المسلمين في ألف مركب ، فأرسل الله عليه قاصفا من الريح فغرقه الله بحوله وقوته ، ومن معه ، ولم ينج منهم أحد إلا الملك في شرذمة قليلة من قومه ، فلما دخل صقلية عملوا له حماما فقتلوه فيه ، وقالوا : أنت قتلت رجالنا . ثم دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة استهلت هذه السنة وقد تولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الخلافة ، وولى على الأمصار نوابا ، فولى عبيد الله بن عباس على اليمن ، وولى سمرة بن جندب ( 1 ) على البصرة ، وعمارة بن شهاب على الكوفة ، وقيس بن سعد بن عبادة على مصر ، وعلى الشام سهل بن حنيف بدل معاوية ( 2 ) فسار حتى بلغ تبوك فتلقته خيل معاوية ، فقالوا : من أنت ؟ أمير ، قالوا : على أي شئ ؟ قال : على الشام ، فقالوا : إن كان عثمان بعثك فحي هلا بك ، وإن كان غيره فارجع . فقال : أو ما سمعتم الذي كان ؟ قالوا : بلى ، فرجع إلى علي . وأما قيس بن سعد فاختلف عليه أهل مصر فبايع له الجمهور ، وقالت طائفة : لا نبايع حتى نقتل قتلة عثمان ، وكذلك أهل البصرة ، وأما عمارة بن شهاب المبعوث أميرا على الكوفة فصده عنها طلحة بن خويلد غضبا لعثمان ، فرجع إلى علي فأخبره ، وانتشرت الفتنة وتفاقم الامر ، واختلفت الكلمة ، وكتب أبو موسى إلى علي بطاعة أهل الكوفة ومبايعتهم إلا القليل منهم ، وبعث علي إلى معاوية كتبا كثيرة فلم يرد عليه جوابها ، وتكرر ذلك مرارا إلى الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر ، ثم بعث معاوية طومارا مع رجل ( 3 ) فدخل به على علي فقال : ما وراءك ؟ قال جئتك من عند قوم لا يريدون إلا القود كلهم موتور ، تركت سبعين ألف ( 4 ) شيخ يبكون تحت قميص عثمان ، وهو على منبر دمشق ، فقال علي : اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان ، ثم خرج رسول معاوية من بين يدي علي فهم به أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان يريدون قتله ، فما أفلت إلا بعد جهد . وعزم علي رضي الله عنه على قتال أهل الشام ، وكتب إلى قيس بن سعد بمصر يستنفر الناس لقتالهم ، وإلى أبي موسى

--> ( 1 ) في الطبري والكامل : عثمان بن حنيف . ( 2 ) زاد ابن الأعثم في فتوحه 2 / 268 : وولى جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي بلاد خراسان ، وولى عبد الرحمن مولى بديل من ورقاء الخزاعي أميرا وعاملا على الماهين ، والماهان : الدينور ونهاوند إحداهما ماه الكوفة والأخرى ماه البصرة . ( 3 ) ذكره الطبري : من بني عبس ثم من بني رواحة يدعى قبيصة . ( 4 ) في الطبري والكامل : ستين ألف .