ابن كثير

244

البداية والنهاية

علقمة بن مرثد قال : سمعت العيزار بن جرول سمعت سويد بن غفلة قال : " قال علي : أيها الناس ! إياكم والغلو في عثمان تقولون حرق المصاحف ، والله ما حرقها إلا عن ملا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ولو وليت مثل ما ولي لفعلت مثل الذي فعل ( 1 ) " وقد روي عن ابن مسعود أنه تعتب لما أخذ منه مصحفه فحرق ، وتكلم في تقدم إسلامه على زيد بن ثابت الذي كتب المصاحف ، وأمر أصحابه أن يغلوا مصاحفهم ، وتلا قوله تعالى * ( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) * [ آل عمران : 161 ] فكتب إليه عثمان رضي الله عنه يدعوه إلى اتباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك ، وجمع الكلمة ، وعدم الاختلاف ، فأناب وأجاب إلى المتابعة وترك المخالفة رضي الله عنهم أجمعين . وقد قال أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله بن مسعود دخل مسجد منى فقال : كم صلى أمير المؤمنين الظهر ؟ قالوا : أربعا ، فصلى ابن مسعود أربعا فقالوا : ألم تحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر صلوا ركعتين ؟ فقال : نعم ! وأنا أحدثكموه الآن ، ولكني أكره الاختلاف . وفي الصحيح أن ابن مسعود قال : ليت حظي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين . وقال الأعمش : حدثني معاوية بن قرة - بواسط - عن أشياخه قالوا : صلى عثمان الظهر بمنى أربعا فبلغ ذلك ابن مسعود فعاب عليه ، ثم صلى بأصحابه العصر في رحله أربعا ، فقيل له : عتبت على عثمان وصليت أربعا ؟ فقال : إني أكره الخلاف . وفي رواية الخلاف شر فإذا كان هذا متباعة من ابن مسعود إلى عثمان في هذا الفرع فكيف بمتابعته إياه في أصل القرآن ؟ والاقتداء به في التلاوة التي عزم على الناس أن يقرأوا بها لا بغيرها ؟ وقد حكى الزهري وغيره أن عثمان إنما أتم خشية على الاعراب أن يعتقدوا أن فرض الصلاة ركعتان ، وقيل بل قد تأهل بمكة ، فروى يعلى وغيره من حديث عكرمة بن إبراهيم حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذباب عن أبيه أن عثمان صلى بهم بمنى أربع ركعات ، ثم أقبل عليهم فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا تزوج الرجل ببلد فهو من أهله " وإني أتممت لأني تزوجت بها منذ قدمتها . وهذا الحديث لا يصح ، وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء بميمونة بنت الحارث ولم يتم الصلاة ، وقد قيل إن عثمان تأول أنه أمير المؤمنين حيث كان وهكذا تأولت عائشة فأتمت ، وفي هذا التأويل نظر ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو رسول الله حيث كان ، ومع هذا ما أتم الصلاة في الاسفار . ومما كان يعتمده عثمان بن عفان أنه كان يلزم عماله بحضور الموسم كل عام ، ويكتب إلى الرعايا : من كانت له عند أحد منهم مظلمة فليواف إلى الموسم فإني آخذ له حقه من عامله ، وكان عثمان قد سمح لكثير من كبار الصحابة في المسير حيث شاؤوا من البلاد ، وكان عمر يحجر عليهم في ذلك ، حتى ولا في الغزو ، ويقول : إني أخاف أن تروا الدنيا وأن يراكم أبناؤها ، فلما خرجوا في زمان

--> ( 1 ) رواه أبو بكر السجستاني في المصاحف مطولا 29 - 30 .