ابن كثير
202
البداية والنهاية
وقد ذكر ابن جرير أن عثمان رضي الله عنه لما رأي ما فعل هؤلاء الخوارج من أهل الأمصار ، من محاصرته في داره ، ومنعه الخروج إلى المسجد ، كتب إلى معاوية بالشام ، وإلى ابن عامر بالبصرة وإلى أهل الكوفة ، يستنجدهم في بعض جيش يطردون هؤلاء من المدينة ، فبعث معاوية مسلمة بن حبيب ، وانتدب يزيد بن أسد القشيري في جيش ، وبعث أهل الكوفة جيشا ، وأهل البصرة جيشا ، فلما سمع أولئك بخروج الجيوش إليهم صمموا في الحصار ، فما اقترب الجيوش إلى المدينة حتى جاءهم قتل عثمان رضي الله عنه كما سنذكره . وذكر ابن جرير أن عثمان استدعى الأشتر النخعي ووضعت لعثمان وسادة في كوة من داره . فأشرف على الناس ، فقال له عثمان : يا أشتر ماذا يريدون ؟ فقال : إنهم يريدون منك إما أن تعزل نفسك عن الامرة ، وإما أن تفتدي من نفسك من قد ضربته ، أو جلدته ، أو حبسته ، وإما أن يقتلوك . وفي رواية أنهم طلبوا منه أن يعزل نوابه عن الأمصار ويولي عليها من يريدون هم ، وإن لم يعزل نفسه أن يسلم لهم مروان بن الحكم فيعاقبوه كما زور على عثمان كتابه إلى مصر ، فخشي عثمان إن سلمه إليهم أن يقتلوه ، فيكون سببا في قتل امرئ مسلم وما فعل من الامر ما يستحق بسببه القتل ، واعتذر عن الاقتصاص مما قالوا بأنه رجل ضعيف البدن كبير السن . وأما ما سألوه من خلعه نفسه فإنه لا يفعل ولا ينزع قميصا قمصه الله إياه ، ويترك أمة محمد يعدو بعضها على بعض ويولي السفهاء من الناس من يختاروه هم فيقع الهرج ويفسد الامر بسبب ذلك الامر كما ظنه فسدت الأمة ووقع الهرج ، وقال لهم فيما قال ، وأي شئ إلي من الامر إن كنت كلما كرهتم أميرا عزلته ، وكلما رضيتم عنه وليته ؟ وقال لهم فيما قال : والله لئن قتلتموني لا تتحابوا بعدي ، ولا تصلوا جميعا أبدا ، ولا تقاتلوا بعدي عدوا جميعا أبدا ، وقد صدق رضي الله عنه فيما قال . وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا معاوية بن صالح ، عن ربيعة بن يزيد ، عن عبد الله بن أبي قيس ، حدثني النعمان بن بشير قال : كتب معي عثمان إلى عائشة كتابا فدفعت إليها كتابه فحدثني أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعثمان : " إن الله لعله يقمصك قميصا . فإن أرادك أحد على خلعه فلا تخلعه ، ثلاث مرات " قال النعمان : فقلت يا أم المؤمنين ! فأين كنت عن هذا الحديث ؟ فقالت : يا بني والله أنسيته ( 1 ) . وقد رواه الترمذي من حديث الليث عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن عامر عن النعمان عن عائشة به . ثم قال : هذا حديث حسن غريب . ورواه ابن ماجة من حديث الفرج بن فضالة عن ربيعة بن يزيد عن النعمان ، فأسقط عبد الله بن عامر . قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسماعيل ، ثنا قيس ، عن أبي سهلة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ادعو لي بعض أصحابي ، قلت أبو بكر ؟ قال : لا ، قلت عمر ؟
--> ( 1 ) الحديث في مسند أحمد ج 6 / 75 .