ابن كثير

198

البداية والنهاية

ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان لما وقع ما وقع يوم الجمعة ، وشج أمير المؤمنين عثمان ، وهو في رأس المنبر ، وسقط مغشيا عليه ، واحتمل إلى داره وتفاقم الامر ، وطمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس ، وألجأوه إلى داره وضيقوا عليه ، وأحاطوا بها محاصرين له ، ولزم كثير من الصحابة بيوتهم ، وسار إليه جماعة من أبناء الصحابة ، عن أمر آبائهم ، منهم الحسن والحسين ، وعبد الله بن الزبير - وكان أمير الدار - وعبد الله بن عمرو ، وصاروا ، يحاجون عنه ، ويناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم ، وأسلمه بعض الناس رجاء أن يجيب أولئك إلى واحدة مما سألوا ، فإنهم كانوا قد طلبوا منه إما أن يعزل نفسه ، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم ، ولم يقع في خلد أحد أن القتل كان في نفس الخارجين . وانقطع عثمان عن المسجد فكان لا يخرج إلا قليلا في أوائل الامر ، ثم انقطع بالكلية في آخره ، وكان يصلي بالناس في هذه الأيام الغافقي بن حرب . وقد استمر الحصر أكثر من شهر ، وقيل أربعين يوما ، حتى كان آخر ذلك أن قتل شهيدا رضي الله عنه ، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى . والذي ذكره ابن جرير أن الذي كان يصلي بالناس في هذه المدة وعثمان محصور ، طلحة بن عبيد الله . وفي صحيح البخاري عن ( 1 ) . وروى الواقدي أن عليا صلى أيضا ، وصلى أبو أيوب ، وصل بهم سهل بن حنيف ، وكان يجمع بهم علي ، وهو الذي صلى بهم بعد ، وقد خاطب الناس في غبوب ذلك بأشياء ، وجرت أمور سنورد منها ما تيسر وبالله المستعان . قال الإمام أحمد : حدثنا بهز ثنا أبو عوانة ثنا حصين عن عمرو بن جاوان قال : قال الأحنف انطلقنا حجاجا فمررنا بالمدينة ، فبينا نحن في منزلنا إذ جاءنا آت فقال : الناس في المسجد ، فانطلقت أنا وصاحبي ، فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد ، قال : فتخللتهم حتى قمت عليهم ، فإذا علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص ، قال : فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي ، فقال : ههنا علي ؟ قالوا : نعم ! قال : ههنا الزبير ؟ قالوا : نعم ! قال : ههنا طلحة ؟ قالوا : نعم ! قال : ههنا سعد بن أبي وقاص ؟ قالوا : نعم ! قال : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو ، تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له فابتعته فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إني قد ابتعته ، فقال : " اجعله في مسجدنا وأجره لك " قالوا : نعم ! قال : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من يبتاع بئر رومة " فابتعتها بكذا وكذا ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إني قد ابتعتها - يعني بئر رومة - قال : " اجعلها سقاية للمسلمين ولك أجرها " قالوا : نعم ! قال : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال : " من يجهز هؤلاء غفر الله

--> ( 1 ) بياض بالأصل : وفي هامش النسخة المطبوعة قال : بياض بأصل المصرية وفي الرياض النضرة وتاريخ الخميس . وروى عن عبد الله بن سلام أنه قال : لما حصر عثمان ولى أبا هريرة على الصلاة .