ابن كثير

190

البداية والنهاية

سواه . فقال : أجهز لك جيشا من الشام يكونون عندك ينصرونك ؟ فقال : إني أخشى أن أضيق بهم بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه من المهاجرين والأنصار . قال معاوية : فوالله يا أمير المؤمنين لتغتالن - أو قال : لتغزين - فقال عثمان : حسبي الله ونعم الوكيل . ثم خرج معاوية من عنده وهو متقلد السيف وقوسه في يده ، فمر على ملا من المهاجرين والأنصار ، فيهم علي بن أبي طالب ، وطلحة ، والزبير ، فوقف عليهم واتكأ على قوسه وتكلم بكلام بليغ يشتمل على الوصاة بعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، والتحذير من إسلامه إلى أعدائه ، ثم انصرف ذاهبا . فقال الزبير : ما رأيته أهيب في عيني من يومه هذا . وذكر ابن جرير أن معاوية استشعر الامر لنفسه من قدمته هذه إلى المدينة ، وذلك أنه سمع حاديا يرتجز في أيام الموسم في هذا العام وهو يقول : قد علمت ضوامر المطي * وضمرات عوج القسي أن الأمير بعده علي * وفي الزبير خلف رضي وطلحة الحامي لها ولي فلما سمعها معاوية لم يزل ذلك في نفسه حتى كان ما كان على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله وبه الثقة . قال ابن جرير : وفي هذه السنة مات أبو عبس بن جبير ( 1 ) بالمدينة وهو بدري . ومات أيضا مسطح بن أثاثة . وغافل بن البكير . وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه . ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان وكان السبب في ذلك أن عمرو بن العاص حين عزله عثمان عن مصر ولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح . وكان سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو بن العاص ، مقهورين معه لا يستطيعون أن يتكلموا بسوء في خليفة ولا أمير فما زالوا حتى شكوه إلى عثمان لينزعه عنهم ويولي عليهم من هو ألين منه . فلم يزل ذلك دأبهم حتى عزل عمرا عن الحرب وتركه على الصلاة ، وولى على الحرب والخراج عبد الله بن سعد بن أبي سرح . ثم سعوا فيما بينهما بالنميمة فوقع بينهما ، حتى كان بينهما كلام قبيح . فأرسل عثمان فجمع لابن أبي سرح جميع عمالة مصر ، خراجها وحربها وصلاتها ، وبعث إلى عمرو يقول له : لا خير لك في المقام عند من يكرهك ، فأقدم إلي ، فانتقل عمرو بن العاص إلى المدينة وفي نفسه من عثمان أمر عظيم وشر كبير فكلمه فيما كان من أمره بنفس ، وتقاولا في ذلك ، وافتخر عمرو بن العاص بأبيه على عثمان ، وأنه كان أعز منه . فقال له عثمان : دع هذا فإنه من أمر الجاهلية . وجعل عمرو بن العاص يؤلب

--> ( 1 ) في الطبري والكامل : جبر .