ابن كثير
183
البداية والنهاية
بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، لكثرة دخولهم بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وقال حذيفة ما رأيت أحدا أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه ودله وسمته من ابن مسعود ، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله زلفى ، وفي الحديث " وتمسكوا بعهد ابن أم عبد " وفي الحديث الآخر الذي رواه أحمد : عن محمد بن فضيل ، عن مغيرة ، عن أم حرسي عن علي أن ابن مسعود صعد شجرة يجتني الكبات فجعل الناس يعجبون من قدة ساقيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد " وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه - وقد نظر إلى قصره وكان يوازي بقامته الجلوس - فجعل يتبعه بصره ثم قال هو كنيف ملئ علما . وقد شهد ابن مسعود بعد النبي صلى الله عليه وسلم مواقف كثيرة ، منها اليرموك وغيرها ، وكان قدم من العراق حاجا فمر بالربذة فشهد وفاة أبي ذر ودفنه ، ثم قدم إلى المدينة فمرض بها فجاءه عثمان بن عفان عائدا ، فيروى أنه قال له : ما تشتكي ؟ قال ذنوبي ، قال فما تشتهي ؟ رحمة ربي ، قال ألا آمر لك بطبيب ؟ فقال : الطبيب أمرضني ، قال ألا آمر لك بعطائك ؟ - وكان قد تركه سنتين - فقال : لا حاجة لي فيه . فقال : يكون لبناتك من بعدك ، فقال أتخشى على بناتي الفقر ؟ إني أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من قرأ الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا " وأوصى عبد الله بن مسعود إلى الزبير بن العوام ، فيقال إنه هو الذي صلى عليه ليلا ، ثم عاتب عثمان الزبير على ذلك ، وقيل بل صلى عليه عثمان ، وقيل عمار ، فالله أعلم . ودفن بالبقيع عن بضع وستين سنة . عبد الرحمن بن عوف ابن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة ، أبو محمد القرشي الزهري ، أسلم قديما على يدي أبي بكر ، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة ، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع ، وشهد بدرا وما بعدها ، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى بني كلب وأرخى له عذبة بين كتفيه ، لتكون أمارة عليه للامارة ، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد الثمانية السابقين إلى الاسلام ، وأحد الستة أصحاب الشورى ، ثم أحد الثلاثة الذين انتهت إليهم منهم ، كما ذكرنا . ثم كان هو الذي اجتهد في تقديم عثمان رضي الله عنه ، وقد تقاول هو وخالد ابن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال ، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصفيه ( 1 ) " وهو في الصحيح . وقال معمر عن الزهري : تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بشطر ماله
--> ( 1 ) وأخرجه ابن ماجة في المقدمة ح ( 161 ) 1 / 57 . وفي زوائده : اسناده صحيح والمد : مكيال معروف ومعلوم ، وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز .