ابن كثير

18

البداية والنهاية

انهزم من المسلمين ويقلن : أين تذهبون وتدعوننا للعلوج ؟ فإذا زجرنهم لا يملك أحد نفسه حتى يرجع إلى القتال . قال وتجلل القيقلان وأشراف من قومه من الروم ببرانسهم وقالوا : إذا لم نقدر على نصر دين النصرانية فلنمت على دينهم . فجاء المسلمون فقتلوهم عن آخرهم . قالوا : وقتل في هذا اليوم من المسلمين ثلاثة آلاف منهم عكرمة وابنه عمرو ، وسلمة بن هشام ، وعمرو بن سعيد ، وأبان بن سعيد ، وأثبت خالد بن سعيد فلا يدرى أين ذهب وضرار بن الأزور ، وهشام بن العاص وعمرو ابن الطفيل بن عمرو الدوسي ، وحقق الله رؤيا أبيه يوم اليمامة . وقد أتلف في هذا اليوم جماعة من الناس انهزم عمرو بن العاص في أربعة حتى وصلوا إلى النساء ثم رجعوا حين زجرهم النساء ، وانكشف شرحبيل بن حسنة وأصحابه ثم تراجعوا حين وعظهم الأمير بقوله تعالى : * ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) * الآية [ التوبة : 111 ] . وثبت يومئذ يزيد بن أبي سفيان وقاتل قتالا شديدا ، وذلك أن أباه مر به فقال له : يا بني عليك بتقوى الله والصبر فإنه ليس رجل بهذا الوادي من المسلمين إلا محفوفا بالقتال ، فكيف بك وبأشباهك الذين ولوا أمور المسلمين ؟ ! أولئك أحق الناس بالصبر والنصيحة ، فاتق الله يا بني ولا يكونن أحد من أصحابك بأرغب في الاجر والصبر في الحرب ولا أجرأ على عدو الاسلام منك . فقال : أفعل إن شاء الله . فقاتل يومئذ قتالا شديدا وكان من ناحية القلب رضي الله عنه . وقال سعيد بن المسيب عن أبيه قال : هدأت الأصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتا يكاد يملا العسكر يقول : يا نصر الله اقترب ، الثبات الثبات يا معشر المسلمين ، قال : فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد . وأكمل خالد ليلته في خيمة تدارق أخي هرقل - وهو أمير الروم كلهم يومئذ - هرب فيمن هرب ، وباتت الخيول تجول نحو خيمة خالد يقتلون من مر بهم من الروم حتى أصبحوا وقتل تدارق وكان له ثلاثون سرادقا وثلاثون رواقا من ديباج بما فيها من الفرش والحرير ، فلما كان الصباح حازوا ما كان هنالك من الغنائم . وما فرحوا بما وجدوا بقدر حزنهم على الصديق حين أعلمهم خالد بذلك ولكن عوضهم الله بالفاروق رضي الله عنه . وقال خالد حين عزى المسلمين في الصديق : الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت ، وكان أحب إلي من عمر ، والحمد لله الذي ولى عمر وكان أبغض إلي من أبي بكر وألزمني حبه . وقد اتبع خالد من انهزم من الروم حتى وصل إلى دمشق فخرج إليه أهلها فقالوا : نحن على عهدنا وصلحنا ؟ قال : نعم . ثم اتبعهم إلى ثنية العقاب فقتل منهم خلقا كثيرا ثم ساق وراءهم إلى حمص فخرج إليه أهلها فصالحهم كما صالح أهل دمشق . وبعث أبو عبيدة عياض بن غنم وراءهم أيضا فساق حتى وصل ملطية فصالحه أهلها ورجع . فلما بلغ هرقل ذلك بعث إلى مقاتليها