ابن كثير
177
البداية والنهاية
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ففيها كانت غزوة الصواري ، وغزوة الأساودة في البحر فيما ذكره الواقدي وقال أبو معشر : كانت غزوة الصواري سنة أربع وثلاثين . وملخص ذلك فيما ذكره الواقدي وسيف وغيرهما أن الشام كان قد جمعها لمعاوية بن أبي سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وقد أحرزه غاية الحفظ وحمى حوزته ، ومع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم في زمن الصيف ، - ولهذا يسمون هذه الغزوة الصائفة - فيقتلون خلقا ، ويأسرون آخرين ، ويفتحون حصونا ويغنمون أموالا ويرعبون الأعداء ، فلما أصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح من أصاب من الفرنج والبربر ، ببلاد إفريقية والأندلس ، حميت الروم واجتمعت على قسطنطين بن هرقل ، وساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الاسلام ، خرجوا في خمسمائة مركب ( 1 ) ، وقصدوا عبد الله بن أبي سرح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب ، فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون ويصلبون ( 2 ) ، وبات المسلمون يقرأون ويصلون ، فلما أصبحوا صف عبد الله بن سعد أصحابه صفوفا في المراكب ، وأمرهم بذكر الله وتلاوة القرآن ، قال بعض من حضر ذلك : فأقبلوا إلينا في أمر لم ير مثله من كثرة المراكب ، وعقدوا صواريها ، وكانت الريح لهم وعلينا ، فأرسينا ثم سكنت الريح عنا ، فقلنا لهم : إن شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى البر فمات الأعجل منا ومنكم ، قال فنخروا نخرة رجل واحد وقالوا : الماء الماء ، قال فدنونا منهم وربطنا سفننا بسفنهم ، ثم اجتلدنا وإياهم بالسيوف ، يثب الرجال على الرجال بالسيوف والخناجر ، وضربت الأمواج في عيون تلك السفن حتى ألجأتها إلى الساحل وألقت الأموال جثث الرجال إلى الساحل حتى صارت مثل الجبل العظيم ، وغلب الدم على لون الماء ، وصبر المسلمون يومئذ صبرا لم يعهد مثله قط ، وقتل منهم بشر كثير ، ومن الروم أضعاف ذلك ، ثم أنزل الله نصره على المسلمين فهرب قسطنطين وجيشه - وقد قلوا جدا - وبه جراحات شديدة مكينة مكث حينا يداوي منها بعد ذلك ، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري أياما ، ثم رجع مؤيدا منصورا مظفرا . قال الواقدي : فحدثني معمر عن الزهري قال : كان في هذه الغزوة محمد بن أبي حذيفة ، ومحمد بن أبي بكر ، فأظهرا عيب عثمان وما غير وما خالف أبا بكر وعمر ، ويقولان دمه حلال لأنه استعمل عبد الله بن سعد - وكان قد ارتد وكفر بالقرآن العظيم وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه ، وأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أقواما واستعملهم عثمان ، ونزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعمل سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر ، فبلغ ذلك
--> ( 1 ) في فتوح ابن الأعثم : في قريب من ألف مركب من مراكب الروم فيها المقاتلة والزرافات والنيران والنفط والمسلمون في خمسمائة مركب فيها رجال مقاتلة والخيل والسلاح والطعام الكثير 3 / 128 . وفي الطبري في خمسمائة مركب أو ستمائة كانت جموع الروم 5 / 70 . ( 2 ) في الطبري : يضربون بالنواقيس ، وفي فتوح ابن الأعثم : يضربون بالصنوج والطنابير ويشربون الخمور وينفخون في الصفارات .