ابن كثير

174

البداية والنهاية

من غزاها . وزعم سيف أنهم كانوا صالحوا سويد بن مقرن قبل ذلك على أن لا يغزوها ، على مال بذله له أصبهبذها فالله أعلم . فذكر المدائني أن سعيد بن العاص ركب في جيش فيه الحسن والحسين ، والعبادلة الأربعة ( 1 ) ، وحذيفة بن اليمان ، في خلق من الصحابة فسار بهم فمر على بلدان شتى يصالحونه على أموال جزيلة ، حتى انتهى إلى بلد معاملة ( 2 ) جرجان ، فقاتلوه حتى احتاجوا إلى صلاة الخوف ، فسأل حذيفة : كيف صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأخبره فصلى كما أخبره ، ثم سأله أهل ذلك الحصن الأمان ، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا ففتحوا الحصن فقتلهم إلا رجلا واحدا ، وحوى ما كان في الحصن ، فأصاب رجل من بني نهد سفطا مقفولا فاستدعى به سعيد ؟ ففتحوه فإذا فيه خرقة سوداء مدرجة فنشروها ، فإذا فيها خرقة حمراء فنشروها ، وإذا داخلها خرقة صفراء ، وفيها إيران كميت وورد . فقال شاعر يهجو بهما بني نهد : آب الكرام بالسبايا غنيمة * وفاز ( 3 ) بنو نهد بأيرين في سفط كميت وورد وافرين كلاهما * فظنوهما غنما فناهيك من غلط قالوا : ثم نقض أهل جرجان ما كان صالحهم عليه سعيد بن العاص ، وامتنعوا عن أداء المال الذي ضربه عليهم - وكان مائة ألف دينار وقيل مائتي ألف دينار وقيل ثلاثمائة ألف دينار - ثم وجه إليهم يزيد بن المهلب بعد ذلك ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى . وفي هذه السنة عزل عثمان بن عفان الوليد بن عقبة عن الكوفة ، وولى عليها سعيد بن العاص وكان سبب عزله أنه صلى بأهل الكوفة الصبح أربعا ثم التفت فقال أزيدكم ؟ فقال قائل : ما زلنا منك منذ اليوم في زيارة . ثم إنه تصدى له جماعة يقال كان بينهم وبينه شنآن ، فشكوه إلى عثمان ، وشهد بعضهم عليه أنه شرب الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقاياها ، فأمر عثمان بإحضاره وأمر بجلده ، فيقال إن عليا نزع عنه حلته ، وأن سعيد بن العاص جلده بين يدي عثمان بن عفان ، وعزله وأمر مكانه على الكوفة سعيد بن العاص ( 4 ) . وفي هذه السنة سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من يد عثمان في بئر أريس ، وهي على ميلين من المدينة ، وهي من أقل الآبار ماء ، فلم يدرك خبره بعد بذل مال جزيل ، والاجتهاد في طلبه ، حتى الساعة ، فاستخلف عثمان بعده خاتما من فضة ، ونقش عليه محمدا رسول الله ، فلما قتل عثمان ذهب الخاتم

--> ( 1 ) العبادلة الأربعة : عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير . ( 2 ) في الطبري تخوم جرجان ، وكان سعيد قد مر على قومس وجرجان وطميسة وقد قاتله أهلها . زاد في فتوح البلدان : ونامنة وهي قرية . ( 3 ) في الكامل : وآب . ( 4 ) ذكر الخبر الطبري مطولا وأسباب عزله الوليد ج 5 / 58 وما بعدها . ومروج الذهب 1 / 437 وابن الأعثم 3 / 166 - 167 وذكر كتاب عثمان إلى الكوفة بتولية سعيد بن العاص عليهم .