ابن كثير

15

البداية والنهاية

فرسان الناس وشجعانهم ، فاجتمع إليه جماعة من الابطال يومئذ فقالوا : ألا تحمل فنحمل معك ؟ فقال : إنكم لا تثبتون ، فقالوا : بلى ! فحمل وحملوا فلما واجهوا صفوف الروم أحجموا وأقدم هو فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر وعاد إلى أصحابه . ثم جاؤوا إليه مرة ثانية ففعل كما فعل في الأولى ، وجرح يومئذ جرحين بين كتفيه ، وفي رواية جرح . وقد روى البخاري معنى ما ذكرناه في صحيحه . وجعل معاذ بن جبل كلما سمع أصوات القسيسين والرهبان يقول : اللهم زلزل أقدامهم ، وأرعب قلوبهم : وأنزل علينا السكينة ، وألزمنا كلمة التقوى ، وجبب إلينا اللقاء ، وأرضنا بالقضاء . وخرج ماهان فأمر صاحب الميسرة وهو الدبريجان ( 1 ) ، وكان عدو الله متنسكا فيهم ، فحمل على الميمنة وفيها الأزد ومذحج وحضرموت وخولان ، فثبتوا حتى صدقوا ( 2 ) أعداء الله ، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال . فزال المسلمون من الميمنة إلى ناحية القلب ، وانكشف طائفة من الناس إلى العسكر ، وثبت صور من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم ، وانكشف زبيد . ثم تنادوا فتراجعوا وحملوا حتى نهنهوا من أمامهم من الروم وأشغلوهم عن اتباع من انكشف من الناس ، واستقبل النساء من انهزم من سرعان الناس يضربنهم بالخشب والحجارة وجعلت خولة بنت ثعلبة تقول : يا هاربا عن نسوة تقيات * فعن قليل ما ترى سبيات * ولا حصيات ولا رضيات * ( 3 ) قال : فتراجع الناس إلى مواقفهم . وقال سيف بن عمر عن أبي عثمان الغساني عن أبيه . قال قال عكرمة بن أبي جهل يوم اليرموك : قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم ؟ ثم نادى : من يبايع على الموت ؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام ، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم ، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا ، وقتل منهم خلق منهم ضرار بن الأزور رضي الله عنهم . وقد ذكر الواقدي وغيره أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجئ إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال : ادفعها إليها ، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال : ادفعها إليه ، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعا ولم يشربها أحد منهم ، رضي الله عنهم أجمعين .

--> ( 1 ) قال الواقدي : أن الديرجان كان بطريقا على بصرى وهو الذي قاتل خالد وقتله عبد الرحمن بن أبي بكر . ( 2 ) كذا بالأصل ، ولعل الصواب : صدوا . ( 3 ) الأبيات في الواقدي ( فتوح الشام ) يا هاربا عن نساء ثقات * لها جمال ولها ثبات تسلموهن إلى الهنات * تملك نواصينا مع البنات اعلاج سوق فسق عتاة * ينلن منا أعظم الشتات