ابن كثير
143
البداية والنهاية
إلى كرمان فقصد المسلمون كرمان فافتتحوها ، فانتقل إلى خراسان فنزلها . هذا كله والنار التي يعبدها من دون الله يسير بها معه من بلد إلى بلد ، ويبني لها في كل بيت توقد فيهم على عادتهم ، وهو يحمل في الليل في مسيره إلى هذه البلدان على بعير عليه هودج ينام فيه . فبينما هو ذات ليلة في هودجه وهو نائم فيه ، إذ مروا به على مخاضة فأرادوا أن ينبهوه قبلها لئلا ينزعج إذا استيقظ في المخاضة ، فلما أيقظوه تغضب عليهم شديدا وشتمهم ، وقال : حرمتموني أن أعلم مدة بقاء هؤلاء في هذه البلاد وغيرها ، إني رأيت في منامي هذا أني ومحمدا عند الله ، فقال له : ملككم مائة سنة ، فقال : زدني . فقال : عشرا ومائة . فقال : زدني . فقال : عشرين ومائة سنة . فقال : زدني فقال لك ، وأنبهتموني ، فلو تركتموني لعلمت مدة هذه الأمة . خراسان مع الأحنف بن قيس وذلك أن الأحنف بن قيس هو الذي أشار على عمر بأن يتوسع المسلمون بالفتوحات في بلاد العجم ، ويضيقوا على كسرى يزدجرد ، فإنه هو الذي يستحث الفرس والجنود على قتال المسلمين . فأذن عمر بن الخطاب في ذلك عن رأيه ، وأمر الأحنف ، وأمره بغزو بلاد خراسان . فركب الأحنف في جيش كثيف إلى خراسان قاصدا حرب يزدجرد ، فدخل خراسان فافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار بن فلان العبدي ، ثم سار إلى مرو الشاهجان وفيها يزدجرد ، وبعث الأحنف بين يديه مطرف بن عبد الله بن الشخير إلى نيسابور ، والحارث بن حسان إلى سرخس . ولما اقترب الأحنف من مرو الشاهجان ، ترحل منها يزدجرد إلى مرو الروذ فافتتح الأحنف مرو الشاهجان فنزلها . وكتب يزدجرد حين نزل مرو الروذ إلى خاقان ملك الترك يستمده ، وكتب إلى ملك الصغد يستمده ، وكتب إلى ملك الصين يستعينه . وقصده الأحنف بن قيس إلى مرو الروذ وقد استخلف على مرو الشاهجان حارثة بن النعمان ، وقد وفدت إلى الأحنف أمداد من أهل الكوفة مع أربعة أمراء ( 1 ) ، فلما بلغ مسيره إلى يزدجرد ترحل إلى بلخ ، فالتقى معه ببلخ يزدجرد فهزمه الله عز وجل وهرب هو ومن بقي معه من جيشه فعبر النهر واستوثق ملك خراسان على يدي الأحنف بن قيس ، واستخلف في كل بلدة أميرا ، ورجع الأحنف فنزل مرو الروذ ، وكتب إلى عمر بما فتح الله عليه من بلاد خراسان بكمالها . فقال عمر : وددت أنه كان بيننا وبين خراسان بحر من نار . فقال له علي : ولم يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إن أهلها سينقضون عهدهم ثلاث مرات فيجتاحون في الثالثة ، فقال : يا أمير المؤمنين لان يكون ذلك بأهلها ، أحب إلي من أن يكون ذلك بالمسلمين وكتب عمر إلى الأحنف ينهاه عن العبور إلى ما وراء النهر . وقال : احفظ ما بيدك من
--> ( 1 ) وهم : علقمة بن النضر النضري . وربعي بن عامر التميمي وعبد الله بن أبي عقيل الثقفي وابن أم غزال الهمذاني ( الطبري 4 / 263 ) .