ابن كثير

140

البداية والنهاية

بلاد بلنجر مائتي فرسخ ، وغزا مرات متعددة . ثم كانت له وقائع هائلة في زمن عثمان كما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى . وقال سيف بن عمر عن الغصن بن القاسم عن رجل عن سلمان بن ربيعة . قال : لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة بلادهم حال الله بين الترك والخروج عليه ، وقالوا : ما اجترأ علينا هذا الرجل إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت . فتحصنوا منه وهربوا بالغنم والظفر . ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان فظفر بهم ، كما كان يظفر بغيرهم . فلما ولي عثمان على الكوفة بعض من كان ارتد ، غزاهم فتذامرت الترك وقال بعضهم لبعض : إنهم لا يموتون ( 1 ) ، قال : انظروا وفعلوا فاختفوا لهم في الغياض . فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله وهرب عنه أصحابه ، فخرجوا على المسلمين بعد ذلك حتى عرفوا أن المسلمين يموتون ، فاقتتلوا قتالا شديدا ونادى مناد من الجو صبرا آل عبد الرحمن وموعدكم الجنة ، فقالت عبد الرحمن حتى قتل وانكشف الناس وأخذ الراية سلمان بن ربيعة فقاتل بها ، ونادى المنادي من الجو صبرا آل سلمان ابن ربيعة . فقاتل قتالا شديدا ثم تحيز سلمان وأبو هريرة بالمسلمين ، وفروا من كثرة الترك ورميهم الشديد السديد على جيلان فقطعوها إلى جرجان ، واجترأت الترك بعدها ، ومع هذا أخذت الترك عبد الرحمن بن ربيعة فدفنوه في بلادهم ، فهم يستسقون بقبره إلى اليوم . وسيأتي تفصيل ذلك كله . قصة السد ذكر ابن جرير بسنده أن شهربراز قال لعبد الرحمن بن ربيعة لما قدم عليه حين وصل إلى الباب وأراه رجلا فقال شهربراز : أيها الأمير إن هذا الرجل كنت بعثته نحو السد ، وزودته مالا جزيلا وكتبت له إلى الملوك الذين يولوني ، وبعثت لهم هدايا ، وسألت منهم أن يكتبوا له إلى من يليهم من الملوك حتى ينتهي إلى سد ذي القرنين ، فينظر إليه ويأتينا بخبره . فسار حتى انتهى إلى الملك الذي السد في أرضه ، فبعثه إلى عامله مما يلي السد ، فبعثت معه بازياره ومعه عقابه ، فلما انتهوا إلى السد إذا جبلان بينهما سد مسدود ، حتى ارتفع على الجبلين ، وإذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده ، فنظر إلى ذلك كله وتفرس فيه ، ثم لما هم بالانصراف قال له البازيار : على رسلك ، ثم شرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء ، وانقض عليها العقاب . فقال : إن أدركتها قبل أن تقع فلا شئ ، وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شئ . قال : فلم تدركها حتى وقعت في أسفله واتبعها العقاب فأخرجها فإذا فيها ياقوتة وهي هذه . ثم ناولها الملك شهربراز لعبد الرحمن بن ربيعة ، فنظر إليها عبد الرحمن ثم ردها إليه ، فلما ردها إليه فرح وقال : والله لهذه خير

--> ( 1 ) زاد ابن الأعثم في الفتوح : وقد بلغنا انهم نزلوا من السماء فليس يموتون ولا يعمل فيهم السلاح