ابن كثير

13

البداية والنهاية

الأرض وراءكم ، بينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحارى وبراري ، ليس لأحد فيها معقل ولا معدل إلا الصبر ورجاء ما وعد الله فهو خير معول ، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون . ثم ذهب إلى النساء فوصاهن ثم عاد فنادى : يا معاشر أهل الاسلام حضر ما ترون فهذا رسول الله والجنة أمامكم ، والشيطان والنار خلفكم . ثم سار إلى موقفه رحمه الله . وقد وعظ الناس أبو هريرة أيضا فجعل يقول : سارعوا إلى الحور العين وجوار ربكم عز وجل في جنات النعيم ، ما أنتم إلى ربكم في موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا المواطن ، ألا وإن للصابرين فضلهم . قال سيف بن عمر إسناده عن شيوخه : إنهم قالوا كان في ذلك الجمع ألف رجل من الصحابة منهم مائة من أهل بدر . وجعل أبو سفيان يقف على كل كردوس ويقول : الله الله إنكم دارة ( 1 ) العرب وأنصار الاسلام ، وإنهم دارة ( 1 ) الروم وأنصار الشرك ، اللهم إن هذا يوم من أيامك ، اللهم أنزل نصرك على عبادك . قالوا : ولما أقبل خالد من العراق قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد : ما أكثر الروم وأقل المسلمين ! ! فقال خالد : ويلك ، أتخوفني بالروم ؟ إنما تكثر الجنود بالنصر ، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال ، والله لوددت أن الأشقر برأ من توجعه ، وأنهم أضعفوا في العدد - وكان فرسه قد حفا واشتكى في مجيئه من العراق - . ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ومعهما ضرار بن الأزور ، والحارث بن هشام ، وأبو جندل بن سهيل ، ونادوا : إنما نريد أميركم لنجتمع به ، فأذن لهم في الدخول على تذارق ، وإذا هو جالس في خيمة من حرير . فقال الصحابة : لا نستحل دخولها ، فأمر لهم بفرش بسط من حرير ، فقالوا : ولا نجلس على هذه . فجلس معهم حيث أحبوا وتراضوا على الصلح ، ورجع عنهم الصحابة بعد ما دعوهم إلى الله عز وجل فلم يتم ذلك . وذكر الوليد بن مسلم أن ماهان طلب خالدا ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم فقال ماهان : إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع ، فهلموا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاما وترجعون إلى بلادكم ، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها . فقال خالد : إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت ، غير أنا قوم نشرب الدماء ، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم . فجئنا لذلك . فقال أصحاب ماهان : هذا والله ما كنا نحدث به عن العرب . قالوا ثم تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو - وهما على مجنبتي القلب - أن ينشئا القتال . فبدرا يرتجزان ( 2 ) ودعوا إلى البراز ، وتنازل الابطال ، وتجاولوا وحمى الحرب وقامت على ساق . هذا

--> ( 1 ) في الطبري : ذادة العرب . ( 2 ) قال القعقاع يا ليتني ألقاك في الطراد * قبل اعترام الجحفل الوراد وأنت في حلبتك الوراد وقال عكرمة : قد علمت تهنكة الجواري * اني على مكرمة