ابن كثير
126
البداية والنهاية
وقد أقبل منها بغال كثير وحمر تحمل عسلا ، فلم يستطع الفيرزان صعودها منهم ، وذلك لحينه فترجل وتعلق في الجبل فاتبعه القعقاع حتى قتله ، وقال المسلمون يومئذ : إن لله جنودا من عسل ، ثم غنموا ذلك العسل وما خالطه من الأحمال وسميت تلك الثنية ثنية العسل . ثم لحق القعقاع بقية المنهزمين منهم إلى همدان وحاصرها وحوى ما حولها ، فنزل إليه صاحبها - وهو خسرشنوم - فصالحه عليها . ثم رجع القعقاع إلى حذيفة ومن معه من المسلمين ، وقد دخلوا بعد الوقعة نهاوند عنوة ، وقد جمعوا الأسلاب والمغانم إلى صاحب الاقباض وهو السائب بن الأقرع . ولما سمع أهل ماه بخبر أهل همدان بعثوا إلى حذيفة وأخذوا لهم منه الأمان ، وجاء رجل يقال له الهرند ( 1 ) - وهو صاحب نارهم - فسأل من حذيفة الأمان ويدفع إليهم وديعة عنده ( 2 ) لكسرى ، ادخرها لنوائب الزمان ، فأمنه حذيفة وجاء ذلك الرجل بسفطين مملوءتين جوهرا ثمينا لا يقوم ، غير أن المسلمين لم يعبأوا به ، واتفق رأيهم على بعثه لعمر خاصة ، وأرسلوه صحبة الأخماس والسبي صحبة السائب ابن الأقرع ، وأرسل قبله بالفتح مع طريف بن سهم ، ثم قسم حذيفة بقية الغنيمة في الغانمين ، ورضخ ونفل لذوي النجدات ، وقسم لمن كان قد أرصد من الجيوش لحفظ ظهور المسلمين من ورائهم ، ومن كان ردءا لهم ، ومنسوبا إليهم . وأما أمير المؤمنين فإنه كان يدعو الله ليلا ونهارا لهم ، دعاء الحوامل المقربات ، وابتهال ذوي الضرورات ، وقد استبطأ الخبر عنهم فبينا رجل من المسلمين ظاهر المدينة إذا هو براكب فسأله من أين أقبل ؟ فقال : من نهاوند . فقال : ما فعل الناس ؟ قال : فتح الله عليهم وقتل الأمير ، وغنم المسلمون غنيمة أصاب الفارس ستة آلاف ، والراجل ألفان . ثم فاته وقدم ذلك الرجل المدينة فأخبر الناس وشاع الخبر حتى بلغ أمير المؤمنين فطلبه فسأله عمن أخبره ، فقال راكب . فقال : إنه لم يجئني ، وإنما هو رجل من الجن بريدهم واسمه عثيم ، ثم قدم طريف بالفتح بعد ذلك بأيام ، وليس معه سوى الفتح ، فسأله عمن قتل النعمان فلم يكن معه علم حتى قدم الذين معهم الأخماس فأخبروا بالامر على جليته ، فإذا ذلك قد الجني شهد الوقعة ورجع سريعا إلى قومه نذيرا . ولما أخبر عمر بمقتل النعمان بكى وسأل السائب عمن قتل من المسلمين فقال : فلان وفلان وفلان ، لأعيان الناس وأشرافهم . ثم قال وآخرون من أفناد الناس ممن لا يعرفهم أمير المؤمنين ، فجعل يبكي ويقول : وما ضرهم أن لا يعرفهم أمير المؤمنين ؟ لكن الله يعرفهم وقد أكرمهم بالشهادة ، وما يصنعون بمعرفة عمر . ثم أمر بقسمة الخمس على عادته ، وحملت ذانك السفطان إلى منزل عمر ، ورجعت الرسل ، فلما أصبح عمر طلبهم فلم يجدهم ، فأرسل في إثرهم البرد فما لحقهم البريد إلا بالكوفة .
--> ( 1 ) في الطبري 4 / 243 والكامل 3 / 14 : الهربذ صاحب بيت النار . ( 2 ) في الطبري والكامل وابن الأعثم : كان قد أودعها النخيرجان وقد كان النخيرجان وزيرا ليزدجرد .