ابن كثير

124

البداية والنهاية

أخبارهم ما أحب ، ثم رجع إلى النعمان فأخبره بذلك ، وأنه ليس بينه وبين نهاوند شئ يكرهه . فسار النعمان على تعبئته وعلى المقدمة نعيم بن مقرن ، وعلى المجنبتين حذيفة وسويد بن مقرن ، وعلى المجردة القعقاع بن عمرو ، وعلى الساقة مجاشع بن مسعود ، حتى انتهوا إلى الفرس وعليهم الفيرزان ، ومعه من الجيش كل من غاب عن القادسية في تلك الأيام المتقدمة ، وهو في مائة وخمسين ألفا ، فلما تراءا الجمعان كبر النعمان وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات ، فزلزلت الأعاجم ورعبوا من ذلك رعبا شديدا . ثم أمر النعمان بحط الأثقال وهو واقف ، فحط الناس أثقالهم ، وتركوا رحالهم ، وضربوا خيامهم وقبابهم . وضربت خيمة للنعمان عظيمة ، وكان الذين ضربوا أربعة عشر من أشراف الجيش ، وهم حذيفة بن اليمان ، وعتبة ( 1 ) بن عمرو ، والمغيرة بن شعبة ، وبشير بن الخصاصية ، وحنظلة الكاتب ، وابن الهوبر ، وربعي بن عامر ، وعامر بن مطر ، وجرير بن عبد الله الحميري ، وجرير بن عبد الله البجلي ، والأقرع بن عبد الله الحميري ، والأشعث بن قيس الكندي ، وسعيد بن قيس الهمداني ، ووائل بن حجر ، فلم ير بالعراق خيمة عظيمة أعظم من بناء هذه الخيمة ، وحين حطوا الأثقال أمر النعمان بالقتال وكان يوم الأربعاء ، فاقتتلوا ذلك اليوم والذي بعده والحرب سجال ، فلما كان يوم الجمعة انحجزوا في حصنهم ، وحاصرهم المسلمون فأقاموا عليهم ما شاء الله ، والأعاجم يخرجون إذا أرادوا ويرجعون إلى حصونهم إذا أرادوا . وقد بعث أمير الفرس يطلب رجلا من المسلمين ليكلمه ، فذهب إليه المغيرة ابن شعبة ، فذكر من عظم ما رأى عليه من لبسه ومجلسه ، وفيما خاطبه به من الكلام في احتقار العرب واستهانته بهم ، وانهم كانوا أطول الناس جوعا ، وأقلهم دارا وقدرا . وقال : ما يمنع هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا مجا من جيفكم ، فإن تذهبوا نخل عنكم ، وإن تابوا نزركم مصارعكم . قال : فتشهدت وحمدت الله وقلت : لقد كنا أسوأ حالا مما ذكرت ، حتى بعث الله رسوله فوعدنا النصر في الدنيا ، والخير ( 2 ) في الآخرة ، وما زلنا نتعرف من ربنا النصر منذ بعث الله رسوله إلينا ، وقد جئناكم في بلادكم وإنا لن نرجع إلى ذلك الشقاء أبدا حتى نغلبكم على بلادكم وما في أيديكم أو نقتل بأرضكم . فقال : أما والله إن الأعور لقد صدقكم ما في نفسه . فلما طال على المسلمين هذا الحال واستمر ، جمع النعمان بن مقرن أهل الرأي من الجيش ، وتشاوروا في ذلك ، وكيف يكون من أمرهم حتى يتواجهوا هم والمشركون في صعيد واحد ، فتكلم عمرو بن أبي سلمة أولا - وهو أسن من كان هناك - فقال : إن بقاءهم على ما هم عليه أضر عليهم من الذي يطلبه منهم وأبقى على المسلمين . فرد الجميع عليه وقالوا : إنا لعلى يقين من إظهار ديننا ، وإنجاز موعود الله لنا . وتكلم عمرو بن معدي كرب فقال : ناهدهم وكاثرهم ولا تخفهم . فردوا جميعا عليه وقالوا : إنما تناطح بنا الجدران والجدران أعوان لهم علينا . وتكلم طليحة الأسدي

--> ( 1 ) في الطبري 4 / 240 : عقبة بن عمرو ، وفي الكامل 3 / 10 : عقبة بن عامر . ( 2 ) في الطبري : والجنة .