ابن كثير
115
البداية والنهاية
بكر من أبويها ، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ، ثم ألقيناها في هذا النيل . فقال لهم عمرو : إن هذا مما لا يكون في الاسلام ، إن الاسلام يهدم ما قبله . قال : فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى والنيل لا يجري قليلا ولا كثيرا ، حتى هموا بالجلاء ، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك ، فكتب إليه : إنك قد أصبت بالذي فعلت ، وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي ، فألقها في النيل . فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها " من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر ، أما بعد ، فإن كنت إنما تجري من قبلك ومن أمرك فلا تجر فلا حاجة لنا فيك ، وإن كنت إنما تجري بأمر الله الواحد القهار ، وهو الذي يجريك فنسأل الله تعالى أن يجريك " قال : فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم ( 1 ) . قال سيف بن عمر : وفي ذي القعدة من هذه السنة - وهي عنده سنة ست عشرة - جعل عمرو المسالح على أرجاء مصر ، وذلك لان هرقل أغزا الشام ومصر في البحر . قال ابن جرير : وفي هذه السنة غزا أرض الروم أبو بحرية عبد الله بن قيس العبدي - وهو أول من دخلها فيما قيل - فسلم وغنم وقيل أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي . قال الواقدي : وفيها عزل عمر قدامة ابن مظعون عن البحرين ، وحده في الشراب . وولى على البحرين واليمامة أبا هريرة الدوسي رضي الله عنه . قال : وفيها شكا أهل الكوفة سعدا في كل شئ ، حتى قالوا : لا يحسن يصلي ، فعزله عنها وولى عليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان - وكان نائب سعد - وقيل بل ولاها عمرو بن ياسر . وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن عبد الملك سمعه من جابر بن سمرة . قال : شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر فقالوا : إنه لا يحسن يصلي ، قال الأعاريب ؟ والله ما آلو بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر ، أردد في الأوليين واصرف في الأخيرين . فسمعت عمر يقول : كذا الظن بك يا أبا إسحاق . وفي صحيح مسلم أن عمر بعث من يسأل عنه أهل الكوفة فأثنوا خيرا إلا رجلا يقال له : أبو سعدة قتادة بن أسامة قام فقال : أما إذ أنشدتنا فإن سعدا لا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية ، ولا يخرج في السرية . فقال سعد : اللهم إن كان عبدك هذا قام مقام رياء وسمعة ، فأطل عمره وأدم فقره وعرضه للفتن . فأصابته دعوة سعد - فكان شيخا كبيرا يرفع حاجبيه عن عينيه ، ويتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن ، فيقال له في ذلك ، فيقول : شيخ كبير مفتون أصابته دعوة سعد . وقد قال عمر في وصيته - وذكره في الستة " فإن أصابت الامرة سعدا فذاك ، وإلا فليستعن به أيكم ولى ، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة . قال : وفيها أجلى عمر يهود خيبر عنها إلى أذرعات وغيرها ، وفيها أجلى عمل يهود نجران منها أيضا إلى الكوفة ، وقسم خيبر ، ووادي القرى ، ونجران بين المسلمين . قال : وفيها دون عمر الدواوين ، وزعم
--> ( 1 ) الخبر رواه الواقدي في فتوح مصر 2 / 69 .