ابن كثير
113
البداية والنهاية
عليهم ما عليهم أثلاثا ، في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم . على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين ، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا ، وكذا وكذا فرسا على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة . شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه وكتب وردان وحضر ( 1 ) " فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح واجتمعت الخيول بمصر وعمروا الفسطاط ، وظهر أبو مريم وأبو مريام فكلما عمرا في السبايا التي أصيبت بعد المعركة . فأبى عمرو أن يردها عليهما ، وأمر بطردهما وإخراجهما من بين يديه ، فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمر أن كل سبي أخذ في الخمسة أيام التي أمنوهم فيها أن يرد عليهم ، وكل سبي أخذ ممن لم يقاتل وكذلك من قاتل فلا يرد عليه سباياه . وقيل إنه أمره أن يخيروا من في أيديهم من السبي بين الاسلام وبين أن يرجع إلى أهله ، فمن اختار الاسلام فلا يردوه إليهم ، ومن اختارهم ردوه عليهم وأخذوا منه الجزية ، وأما ما تفرق من سبيهم في البلاد ووصل إلى الحرمين وغيرهما ، فإنه لا يقدر على ردهم ولا ينبغي أن يصالحهم على ما يتعذر الوفاء به . ففعل عمرو ما أمر به أمير المؤمنين ، وجمع السبايا وعرضوهم وخيروهم فمنهم من اختار الاسلام ، ومنهم من عاد إلى دينه ، وانعقد الصلح بينهم . ثم أرسل عمرو جيشا إلى إسكندرية وكان المقوقس صاحب الإسكندرية قبل ذلك يؤدي خراج بلده وبلد مصر إلى ملك الروم - فلما حاصره عمرو بن العاص جمع أساقفته وأكابر دولته وقال لهم : إن هؤلاء العرب غلبوا كسرى وقيصر وأزالوهم عن ملكهم ولا طاقة لنا بهم ، والرأي عندي أن نؤدي الجزية إليهم . ثم بعث إلى عمرو بن العاص يقول : إني كنت أؤدي الخراج إلى من هو أبغض إلي منكم - فارس والروم - ثم صالحه على أداء الجزية ، وبعث عمرو بالفتح والأخماس إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وذكر سيف أن عمرو بن العاص لما التقى مع المقوقس جعل كثير من المسلمين يفر من الزحف فجعل عمر يزمرهم ويحثهم على الثبات : فقال له رجل من أهل اليمن : إنا لم نخلق من حجارة ولا حديد . فقال له عمرو : اسكت فإنما ، أنت كلب . فقال له الرجل : فأنت إذا أمير الكلاب . فأعرض عنه عمرو ونادى يطلب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما اجتمع إليه من هناك من الصحابة قال لهم عمرو : تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين . فنهدوا إلى القوم ففتح الله عليهم وظفروا أتم الظفر . قال سيف : ففتحت مصر في ربيع الأول من سنة ست عشرة وقام فيها ملك الاسلام ولله الحمد والمنة . وقال غيره : فتحت مصر في سنة عشرين ، وفتحت إسكندرية في سنة خمس وعشرين بعد محاصرة ثلاثة أشهر عنوة ، وقيل صلحا على اثني عشر ألف دينار . وقد ذكر أن المقوقس سأل من عمرو أن يهادنه أولا ، فلم يقبل عمرو وقال له : قد علمتم ما فعلنا بملككم
--> ( 1 ) قال الأستاذ بتلر أن هذا العقد - وقد أورده الطبري 4 / 239 - هو عقد صلح الإسكندرية . أقول ويبدو ان هذا العقد مقتضب فقد فرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران ديناران عن كل نفس شريفهم ووضيعهم من بلغ منهم الحلم ( وأخرج النساء والصبيان من ذلك ) انظر فتوح البلدان 1 / 256 .