ابن كثير
103
البداية والنهاية
قال : وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، ثم ذكر نوابه على البلاد ، وهم من ذكر في السنة قبلها غير المغيرة فإن على البصرة بدله أبو موسى الأشعري . قلت : وقد توفي في هذه السنة أقوام قيل إنهم توفوا قبلها وقد ذكرناهم ، وقيل فيما بعدها وسيأتي ذكرهم في أماكنهم والله تعالى أعلم . ثم دخلت سنة ثماني عشرة المشهور الذي عليه الجمهور أن طاعون عمواس كان بها ، وقد تبعنا قول سيف بن عمر وابن جرير في إيراده ذلك في السنة التي قبلها ، لكنا نذكر وفاة من مات في الطاعون في هذه السنة إن شاء الله تعالى ، قال ابن إسحاق ، وأبو معشر : كان في هذه السنة طاعون عمواس وعام الرمادة ، فتفانى فيهما الناس . قلت : كان في عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز ، وجاع الناس جوعا شديدا . وقد بسطنا القول في ذلك في سيرة عمر . وسميت عام الرمادة لان الأرض اسودت من قلة المطر حتى عاد لونها شبيها بالرماد . وقيل : لأنها تسفى الريح ترابا كالرماد . ويمكن أن تكون سميت لكل منهما . والله أعلم . وقد أجدبت الناس في هذه السنة بأرض الحجاز ، وجفلت الاحياء إلى المدينة ولم يبق عند أحد منهم زاد فلجأوا إلى أمير المؤمنين فأنفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه من الأطعمة والأموال حتى أنفده ، وألزم نفسه أن لا يأكل سمنا ولا سمينا حتى يكشف ما بالناس ، فكان في زمن الخصيب يبث له الخبز باللبن والسمن ، ثم كان عام الرمادة يبث له بالزيت والخل ، وكان يستمرئ الزيت . وكان لا يشبع مع ذلك ، فاسود لون عمر رضي الله عنه وتغير جسمه حتى كاد يخشى عليه من الضعف . واستمر هذا الحال في الناس تسعة أشهر ، ثم تحول الحال إلى الخصب والدعة وانشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم . قال الشافعي : بلغني أن رجلا من العرب قال لعمر حين ترحلت الاحياء عن المدينة : لقد انجلت عنك ولأنك لابن حرة . أي واسيت الناس وأنصفتهم وأحسنت إليهم . وقد روينا أن عمر عس المدينة ذات ليلة عام الرمادة فلم يجد أحدا يضحك ، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة ، ولم ير سائلا يسأل ، فسأل عن سبب ذلك فقيل له : يا أمير المؤمنين إن السؤال سألوا فلم يعطوا فقطعوا السؤال ، والناس في هم وضيق فهم لا يتحدثون ولا يضحكون . فكتب عمر إلى أبي موشى بالبصرة أن يا غوثاه لامة محمد . وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر أن يا غوثاه لامة محمد . فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الأطعمات ، ووصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدة ومن جدة إلى مكة . وهذا الأثر جيد الاسناد ، لكن ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة مشكل ، فإن مصر لم تكن فتحت في سنة ثماني عشرة ، فإما أن يكون عام الرمادة بعد سنة ثماني عشرة ، أو يكون ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة وهم . والله أعلم .