ابن كثير

10

البداية والنهاية

وبعث خالد بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحرث المزني إلى الصديق ثم سار خالد وأبو عبيدة ومرثد وشرحبيل إلى عمرو بن العاص - وقد قصده الروم بأرض العربا من المعور فكانت واقعة أجنادين . وقد قال رجل من المسلمين في مسيرهم هذا مع خالد : لله عينا رافع أنى اهتدى * فوز من قراقر إلى نوى ( 1 ) خمسا إذا ما سارها الجيش بكى * ما سارها قبلك إنسي أرى ( 2 ) وقد كان بعض العرب قال له في هذا المسير : إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية نجوت أنت ومن معك ، وإن لم تدركها هلكت أنت ومن معك ، فسار خالد بمن معه وسروا سروة عظيمة فأصبحوا عندها ، فقال خالد : عند الصباح يحمد القوم السرى . فأرسلها مثلا ، وهو أول من قالها رضي الله عنه . ويقول غير ابن إسحاق كسيف بن عمر وأبي نحيف وغيرهما في تكميل السياق الأول : حين اجتمعت الروم مع أمرائها بالواقوصة وانتقل الصحابة من منزلهم الذي كانوا فيه فنزلوا قريبا من الروم في طريقهم الذي ليس لهم طريق غيره ، فقال عمر بن العاص : أبشروا أيها الناس ، فقد حصرت والله الروم ، وقلما جاء محصور بخير . ويقال إن الصحابة لما اجتمعوا للمشورة في كيفية المسير إلى الروم ، جلس الامراء لذلك فجاء أبو سفيان فقال : ما كنت أظن أني أعمر حتى أدرك قوما يجتمعون لحرب ولا أحضرهم ، ثم أشار أن يتجزأ الجيش ثلاثة أجزاء ، فيسير ثلثه فينزلون تجاه الروم ، ثم تسير الأثقال والذراري في الثلث الآخر ، ويتأخر خالد بالثلث الآخر حتى إذا وصلت الأثقال إلى أولئك سار بعدهم ونزلوا في مكان تكون البرية من وراء ظهورهم لتصل إليهم البرد والمد . فامتثلوا ما أشار به ونعم الرأي هو . وذكر الوليد عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير أن الروم نزلوا فيما بين دير أيوب واليرموك ، ونزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر ، وأذرعات خلفهم ليصل إليهم المدد من المدينة . ويقال إن خالدا إنما قدم عليهم بعد ما نزل الصحابة تجاه الروم بعد ما صابروهم وحاصروهم شهر ربيع الأول بكماله ، فلما انسلخ وأمكن القتال ( 3 ) لقلة الماء بعثوا إلى الصديق يستمدونه فقال : خالد لها ، فبعث إلى خالد فقدم عليهم في ربيع الآخر ، فعند وصول خالد إليهم أقبل ماهان مددا للروم ومعه القساقسة ، والشمامسة والرهبان يحثونهم ، ويحرضونهم على القتال لنصر دين النصرانية ، فتكامل جيش الروم أربعون ومائتا ألف . ثمانون ألفا مسلسل بالحديد والحبال ، وثمانون ألفا فارس ، وثمانون ألفا راجل . قال سيف وقيل بل كان الذين تسلسلوا كل عشرة سلسلة لئلا يفروا ثلاثين

--> ( 1 ) في الكامل والطبري : سوى . ( 2 ) البيت في فتوح البلدان : ماء إذا ما رامه الجبس انثنى * ما جازها قبلك من إنس يرى ( 3 ) كذا بالأصول والظاهر أن فيه سقطا ، والعبارة بأكملها ساقطة من الطبري .