ابن كثير
310
البداية والنهاية
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن النبي لا يورث " ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعول وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق . وقد رواه الترمذي في جامعه : عن محمد بن المثنى عن أبي الوليد الطيالسي ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، فذكره بوصل الحديث . وقال الترمذي حسن صحيح غريب . فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ، ثنا محمد بن فضيل ، عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل . قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت فاطمة إلى أبي بكر أأنت ورثت رسول الله أم أهله ؟ فقال : لا بل أهله ، فقالت : فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أبو بكر : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده " فرأيت أن أرده على المسلمين . قالت : فأنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهكذا رواه أبو داود : عن عثمان بن أبي شيبة ، عن محمد بن فضيل به . ففي لفظ هذا الحديث غرابة ونكارة ، ولعله روي بمعنى ما فهمه بعض الرواة ، وفيهم من فيه تشيع فليعلم ذلك . وأحسن ما فيه قولها أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو الصواب والمظنون بها ، واللائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها ، رضي الله عنها . وكأنها سألته بعد هذا أن يجعل زوجها ناظرا على هذه الصدقة فلم يجبها إلى ذلك لما قدمناه ، فتعتبت عليه بسبب ذلك وهي امرأة من بنات آدم تأسف كما يأسفون وليست بواجبة العصمة مع وجود نص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومخالفة أبي بكر الصديق رضي الله عنها وقد روينا عن أبي بكر رضي الله عنه : أنه ترضا فاطمة وتلاينها قبل موتها فرضيت رضي الله عنها . قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب ، ثنا عبدان بن عثمان العتكي بنيسابور ، أنبأنا أبو حمزة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي . قال : لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها ، فقال علي : يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك ؟ فقالت أتحب أن آذن له ؟ قال : نعم ! فأذنت له فدخل عليها يترضاها فقال : والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ، ومرضاة رسوله ، ومرضاتكم أهل البيت ، ثم ترضاها حتى رضيت ( 1 ) . وهذا إسناد جيد قوي ، والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من علي ، أو ممن سمعه من علي ، وقد اعترف علماء أهل البيت بصحة ما حكم به أبو بكر في ذلك . قال الحافظ البيهقي : أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو عبد الله الصفار ، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، ثنا نصر بن علي ، ثنا ابن داود عن فضيل بن مرزوق . قال : قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب : أما أنا فلو كنت مكان أبي بكر لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك ( 2 ) .
--> ( 1 ) دلائل البيهقي ج 7 / 281 . ( 2 ) المصدر السابق والجزء والصفحة .