ابن كثير
31
البداية والنهاية
حرير ] ( 1 ) فإذا فيه ، أما بعد ، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدر هوان ، ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسيك . فقلت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال : رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك ( 2 ) ، فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا بل اعتزلها ولا تقربها ، وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك ، فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الامر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ، قال " لا ولكن لا يقربك " قالت إنه والله ما به حركة إلى شئ ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا ، فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما استأذن هلال بن أمية أن تخدمه ، فقلت : والله لا أستأذن فيها رسول الله ، وما يدريني ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب ، قال : فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا ، فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة ، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع [ يقول ] بأعلى صوته : يا كعب أبشر ، فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله [ للناس ] بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض رجل إلي فرسا ، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل ، فكان الصوت أسرع من الفرس ، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ ، واستعرت ثوبين ( 3 ) فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة ، يقولون : ليهنك توبة الله عليك . قال كعب : حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس ، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني ، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ، ولا أنساها لطلحة ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " قال قلت : أمن عندك يا رسول الله أم عند الله ؟ قال " لا بل من عند الله " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، وكنا نعرف ذلك منه ، فلما جلست بين يديه . قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ، قال رسول الله " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " قلت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر ، وقلت يا رسول الله إن الله إنما نجاني
--> ( 1 ) زيادة من الواقدي ، ومن رواية ابن مردويه . ( 2 ) وهي عميرة بنت جبير بن صخر بن أمية الأنصارية وهي أم أولاده الثلاثة : عبد الله وعبيد ومعبد . ( 3 ) في الواقدي : استعارهما من أبي قتادة .