ابن كثير
263
البداية والنهاية
الناس ، حتى دخل على عائشة فيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى ببرد حبرة ، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله ثم بكى . ثم قال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، والله لا يجمع الله عليك موتتين أبدا أما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها . قال الزهري وحدثني أبو سلمة عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس . فقال : اجلس يا عمر ! فأبى عمر أن يجلس . فقال : اجلس يا عمر . فأبى عمر أن يجلس . فتشهد أبو بكر ، فأقبل الناس إليه . فقال : أما بعد فمن كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله ، فإن الله حي لا يموت قال الله تعالى : * ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبل الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) * الآية . قال : فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر ، فتلقاها منه الناس كلهم فما سمع بشر من الناس إلا يتلوها . قال الزهري وأخبرني سعيد بن المسيب : أن عمر قال : والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ، فعرفت أنه الحق فعقرت حتى ما تقلني رجلاي ، وحتى هويت إلى الأرض ، وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات ( 1 ) . ورواه البخاري عن يحيى بن بكير به . وروى الحافظ البيهقي : من طريق ابن لهيعة ، ثنا أبو الأسود ، عن عروة بن الزبير في ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : وقام عمر بن الخطاب يخطب الناس ويتوعد من قال مات بالقتل والقطع ، ويقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غشية لو قد قام قتل وقطع ، وعمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن أم مكتوم [ قائم ] ( 2 ) في مؤخر المسجد يقرأ * ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) * الآية والناس في المسجد يبكون ويموجون لا يسمعون ، فخرج عباس بن عبد المطلب على الناس . فقال : يا أيها الناس ، هل عند أحد منكم من عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفاته فليحدثنا . قالوا : لا ! قال : هل عندك يا عمر من علم ؟ قال : لا ! فقال العباس : اشهدوا أيها الناس أن أحدا لا يشهد على رسول الله بعهد عهده إليه في وفاته ، والله الذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت . قال : وأقبل أبو بكر رضي الله عنه من السنح ( 3 ) على دابته حتى نزل بباب المسجد ، وأقبل مكروبا حزينا فاستأذن في بيت ابنته عائشة ، فأذنت له فدخل ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي على الفراش والنسوة حوله ، فخمرن وجوههن ، واستترن من أبي بكر إلا ما كان من عائشة ، فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجثى عليه يقبله ويبكي ويقول : ليس ما يقوله ابن الخطاب شيئا ، توفي رسول الله والذي نفسي بيده رحمة الله عليك يا رسول الله ما أطيبك حيا وميتا ، ثم غشاه بالثوب ثم خرج سريعا إلى المسجد يتخطى رقاب الناس حتى أتى المنبر ، وجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلا إليه وقام أبو بكر إلى جانب المنبر ، ونادى الناس فجلسوا وأنصتوا فتشهد أبو بكر بما علمه من التشهد . وقال : إن الله عز وجل نعى نبيه إلى نفسه وهو حي بين أظهركم ونعاكم إلى أنفسكم وهو الموت حتى لا يبقى منكم
--> ( 1 ) الحديث في دلائل البيهقي 7 / 216 ، وفتح الباري 8 / 145 الحديث ( 4454 ) . ( 2 ) من البيهقي . ( 3 ) السنح : مكان في عوالي المدينة وفيه منزل أبي بكر الصديق .