ابن كثير
249
البداية والنهاية
غير هذا الموضع ، والمقصود أنه عليه السلام اغتسل ثم خرج فصلى الناس ثم خطبهم كما تقدم في حديث عائشة رضي الله عنها . ذكر الأحاديث الواردة في ذلك . قال البيهقي : أنبأنا الحاكم ، أنبأنا الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري عن أيوب بن بشير . أن رسول الله قال في مرضه : أفيضوا علي من سبع قرب من سبع آبار شتى ، حتى أخرج فأعهد إلى الناس . ففعلوا فخرج فجلس على المنبر فكان أول ما ذكر ، بعد حمد الله والثناء عليه ، ذكر أصحاب أحد ، فاستغفر لهم ودعا لهم . ثم قال : يا معشر المهاجرين إنكم أصبحتم تزيدون ، والأنصار على هيئتها لا تزيد ، وإنهم عيبتي التي أويت إليها ، فأكرموا كريمهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم . ثم قال عليه السلام : أيها الناس إن عبدا من عباد الله قد خيره الله بين الدنيا ، وبين ما عند الله . فاختار ما عند الله ، ففهمها أبو بكر رضي الله عنه ، من بين الناس فبكى . وقال : بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا وأموالنا ( 1 ) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : على رسلك يا أبا بكر ! أنظروا إلى هذه الأبواب الشارعة في المسجد فسدوها ، إلا ما كان من بيت أبي بكر فإني لا أعلم أحدا عندي أفضل [ يدا ] ( 2 ) في الصحبة منه . هذا مرسل له شواهد كثيرة . وقال الواقدي : حدثني فروة بن زبيد بن طوسا ، عن عائشة بنت سعد ، عن أم ذرة ، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم . قالت : خرج رسول الله عاصبا رأسه بخرقة فلما استوى على المنبر ، تحدث الناس بالمنبر واستكفوا . فقال : والذي نفسي بيده إني لقائم على الحوض الساعة . ثم تشهد فلما قضى تشهده كان أول ما تكلم به ، أن أستغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد . ثم قال : إن عبدا من عباد الله خير بين الدنيا ، وبين ما عند الله فاختار العبد ما عند الله ، فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه . وقال : بأبي وأمي نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم . وجعل رسول الله يقول له : على رسلك ( 3 ) . وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر ، ثنا فليح ، عن سالم أبي النضر ، عن بشر بن سعيد ، عن أبي سعيد قال : خطب رسول الله الناس فقال : إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله . قال : فبكى أبو بكر . قال : فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله عن عبد ، فكان رسول الله هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به . فقال رسول الله : إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن خلة الاسلام ومودته لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر ( 4 ) . وهكذا رواه البخاري من حديث أبي عامر العقدي به . ثم رواه
--> ( 1 ) سقطت عند البيهقي . ( 2 ) من دلائل البيهقي ج 7 / 178 . ( 3 ) نقله البيهقي عن الواقدي 7 / 178 . ( 4 ) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار ( 45 ) باب هجرة النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه إلى المدينة . ومسلم في كتاب فضائل الصحابة ( 11 ) باب من فضائل أبي بكر . والإمام أحمد في مسنده ج 3 / 18 ورواه البيهقي في الدلائل ج 7 / 174 .