ابن كثير

24

البداية والنهاية

بجاد - وهو الكساء الغليظ - فشقه باثنين فائتزر بواحدة وارتدى بالأخرى ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمي ذو البجادين . قال ابن إسحاق : وذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي ، عن ابن أخي أبي رهم الغفاري أنه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين - وكان من أصحاب الشجرة - يقول : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فسرت ذات ليلة معه ونحن بالأخضر والقى الله علي النعاس ( 1 ) وطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلة النبي صلى الله عليه وسلم فيفزعني دنوها منه مخافة أن أصيب رجله في الغرز ، فطفقت أحوز راحلتي عنه ، حتى غلبتني عيني في بعض الطريق ، فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز ، فلم أستيقظ إلا بقوله " حس " فقلت : يا رسول الله استغفر لي ، قال " سر " فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألني عمن تخلف عنه من بني غفار فأخبره به . فقال وهو يسألني " ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط ( 2 ) الذين لا شعر لهم في وجوههم ؟ " فحدثته بتخلفهم ، قال " فما فعل النفر السود الجعاد القصار " قال : قلت : والله ما أعرف هؤلاء منا قال " بلى الذين لهم نعم بشبكة شدخ " ( 3 ) فتذكرتهم في بني غفار ، فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا ، فقلت : يا رسول الله أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرءا نشيطا في سبيل الله ، إن أعز أهلي علي أن يتخلف عني المهاجرون والأنصار وغفار وأسلم " . قال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال : لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة هم جماعة من المنافقين بالفتك به وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق ، فأخبر بخبرهم فأمر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه ، عمار آخذ بزمام الناقة ، وحذيفة يسوقها ، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبصر حذيفة فرجع إليهم ومعه محجن ، فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه ، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر على ما أضمروه من الامر العظيم فأسرعوا حتى خالطوا الناس ، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ووقفوا ينتظرون الناس ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة " هل عرفت هؤلاء القوم ؟ " قال : ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم ، ثم قال " علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب ؟ " قالا : لا ، فأخبرهما بما كانوا تملأوا عليه وسماهم لهما واستكتمهما

--> ( 1 ) العبارة في ابن هشام : ونحن بالأخضر قريبا من رسول الله صلى الله عليه وآله وألقى علينا النعاس . ( 2 ) الثطاط : جمع ثط ، وهو صغير نبات شعر اللحية ( قاله السهيلي ) . ( 3 ) شبكة شدخ : ماء لأسلم من بني غفار . كما عند ياقوت . وفي النهاية واللسان : شبكة جرح : موضع بالحجاز في ديار غفار .