الشيخ علي پناه الاشتهاردي
28
مدارك العروة
بأداء المناسك عليها ، ولا يسري إلى ما يسار عليها من البلاد البعيدة في الطريق . ومن أهمّ ما ينبغي رعايته في هذا السفر احتسابه من سفر آخرته بالمحافظة على تصحيح النيّة ، وإخلاص السريرة ، وأداء حقيقة القربة ، والتجنّب عن الرياء ، والتجرّد عن حبّ المدح والثناء . وأن لا يجعل سفر هذا - على ما عليه كثير من مترفي عصرنا - من جعله وسيلة للرفعة والافتخار ، بل وصلة إلى التجارة والانتشار ، ومشاهدة البلدان وتصفّح الأمصار . وأن يراعي إسراره الخفيّة ودقائقه الجليّة - كما يفصح عن ذلك ما أشار إليه بعض الأعلام : ان اللَّه تعالى سنّ الحج ووضعه على عباده إظهارا لجلالة وكبريائه وعلوّ شأنه وعظم سلطانه ، وإعلانا لرقّ النّاس وعبوديّتهم وذلَّهم ، واستكانتهم ، وقد عاملهم في ذلك معاملة السلاطين لرعاياهم ، والملاك لمماليكهم ، يستذلَّونهم بالوقوف على باب بعد باب ، واللبث في حجاب بعد حجاب ، وإنّ اللَّه تعالى قد شرف البيت الحرام وأضافه إلى نفسه ، واصطفاه لقدسه ، وجعله قياما للعباد ، ومقصدا يؤم من جميع البلاد ، وجعل ما حوله حرما ، وجعل الحرم آمنا ، وجعل فيه ميدانا ومحالا ، وجعل له في الحلّ شبيها ومثالا ، فوضعه على مثال حضرة الملوك والسلاطين ، ثم أذّن في الناس بالحج ليأتوه رجالا وركبانا من كلّ فجّ ، وأمرهم بالإحرام وتغيير الهيئة واللباس شعثا غبرا ، متواضعين مستكينين ، رافعين أصواتهم بالتلبية ، وإجابة الدعوة حتّى إذا أتوه كذلك حجبهم عن الدخول ، وأوقفهم في حجبه يدعونه ويتضرّعون إليه حتّى إذا طال تضرّعهم واستكانتهم ، ورجموا شياطينهم بجمارهم ، وخلعوا طاعة الشيطان من رقابهم إذن لهم بتقريب قربانهم وقضاء تفثهم ، وليطهروا من الذنوب الَّتي كانت هي الحجاب بينهم وبينه ، وليزوروا البيت على طهارة منهم ، ثم يعيدهم فيه بما يظهر كمال الرق وكنه العبوديّة فجعلهم ( تارة ) يطوفون فيه ويتعلَّقون بأستاره ، ويلوذون بأركانه ( وأخرى ) يسعون بين يديه مشيا وعدوا ليتبيّن لهم عزّ الربوبيّة ، وذلّ العبوديّة ، وليعرفوا أنفسهم ، ويضع الكبر من رؤسهم ، ويجعل نير الخضوع في أعناقهم ، ويستشعروا شعار المذلَّة ، وينزعوا ملابس الفخر والعزّة ، وهذا من أعظم فوائد الحج . مضافا إلى ما فيه من التذكَّر بالإحرام والوقوف في المشاعر العظام لأحوال المحشر وأهوال يوم القيامة ، إذ الحجّ هو الحشر الأصغر ، وإحرام الناس وتلبيتهم وحشرهم إلى