ابن كثير
81
البداية والنهاية
عنا الطلب ثم ] خرجنا [ إلى التنعيم ] ( 1 ) فقال صاحبي : يا عمرو بن أمية هل لك في خبيب بن عدي ننزله ؟ فقلت له : أين هو ؟ قال هو ذاك مصلوب حوله الحرس . فقلت : أمهلني وتنح عني فإن خشيت شيئا فانج إلى بعيرك فاقعد عليه ، فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر ، ودعني فإني عالم بالمدينة . ثم استدرت ( 2 ) عليه حتى وجدته فحملته على ظهري فما مشيت به إلا عشرين ذراعا حتى استيقظوا فخرجوا في أثري ، فطرحت الخشبة فما أنسى وجيبها - يعني صوتها ثم أهلت عليه التراب برجلي ، فأخذت طريق الصفراء فأعيوا ورجعوا وكنت لا أدري مع بقاء نفسي فانطلق صاحبي إلى البعير فركبه ، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، وأقبلت حتى أشرفت على الغليل : غليل ضجنان ( 3 ) فدخلت في غار معي قوسي وأسهمي وخنجري ، فبينما أنا فيه إذ أقبل رجل من بني الدبل بن بكر أعور طويل يسوق غنما ومعزى ، فدخل الغار وقال : من الرجل ؟ فقلت رجل من بني بكر فقال : وأنا من بني بكر ثم اتكأ ورفع عقيرته يتغنى ويقول : فلست بمسلم ما دمت حيا * ولست أدين دين المسلمينا فقلت في نفسي : والله أني لأرجو أن أقتلك . فلما نام قمت إليه فقتله شر قتلة قتلها أحد قط ، ثم خرجت حتى هبطت ، فلما أسهلت في الطريق إذا رجلان بعثهما قريش يتجسسان الاخبار ، فقلت : استأسرا فأبى أحدهما فرميته فقتلته ، فلما رأى ذلك الآخر استأسر فشددته وثاقا ثم أقبلت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدمت المدينة أتى صبيان الأنصار وهم يلعبون وسمعوا أشياخهم يقولون : هذا عمرو ، فاشتد الصبيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه ، وأتيته بالرجل قد ربطت إبهامه بوتر قوسي فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ثم دعا لي بخير . وكان قدوم سلمة قبل قدوم عمرو بثلاثة أيام . رواه البيهقي ( 4 ) . وقد تقدم أن عمرا لما أهبط خبيبا لم ير له رمة ولا جسدا فلعله دفن مكان سقوطه . والله أعلم . وهذه السرية إنما استدركها ابن هشام على ابن إسحاق وساقها بنحو من سياق الواقدي لها لكن عنده أن رفيق عمرو بن أمية في هذه السرية جبار بن صخر . فالله أعلم ولله الحمد . سرية بئر معونة ( 5 ) وقد كانت في صفر منها وأغرب مكحول رحمه الله حيث قال : إنها كانت بعد الخندق . قال البخاري : حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا عبد العزيز ، عن أنس بن مالك قال : بعث رسول
--> ( 1 ) ما بين معكوفين من الطبري . ( 2 ) في الطبري والبيهقي : اشتددت . ( 3 ) الغليل : منابت الطلح ، وضجنان : موضع بعينه . ( 4 ) رواه الطبري في تاريخه ج 3 / 31 - 32 . والبيهقي عنه في دلائله ج 3 / 333 - 337 . ( 5 ) انظر في غزوة بئر معونة : طبقات ابن سعد 2 / 51 سيرة ابن هشام 3 / 193 مغازي الواقدي 1 / 337 تاريخ الطبري 3 / 33 ابن حزم ص 178 ، عيون الأثر 2 / 61 ، النويري 17 / 130 دلائل النبوة للبيهقي 3 / 338 .