ابن كثير

77

البداية والنهاية

قليلا ، ثم التفت فلم أر شيئا فكأنما بلعته الأرض فلم تذكر لخبيب رمة حتى الساعة ( 1 ) . ثم روى ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس قال : لما قتل أصحاب الرجيع قال ناس من المنافقين : يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا لا هم أقاموا في أهلهم ولا هم أدوا رسالة صاحبهم ، فأنزل الله فيهم ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ) [ البقرة : 204 ] وما بعدها . وأنزل الله في أصحاب السرية ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد ) [ البقرة : 207 ] . قال ابن إسحاق وكان مما قيل من الشعر في هذه الغزوة خبيب حين اجمعوا على قتله ( قال ابن هشام : ومن الناس من ينكرها له ) : لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا * قبائلهم واستجمعوا كل مجمع ( 2 ) وكلهم مبدي العداوة جاهد * علي لأني في وثاق بمضبع ( 3 ) وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم * وقربت من جذع طويل ممنع إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي * وما أرصد الأعداء لي عند مصرعي ( 4 ) فذا العرش صبرني على ما يراد بي * فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع وقد خيروني الكفر والموت دونه * وقد هملت عيناي من غير مجزع وما بي حذار الموت إني لميت * ولكن حذاري جحم نار ملفع ( 5 ) فوالله ما أرجو إذا مت مسلما * على أي جنب كان في الله مضجعي ( 6 ) فلست بمبد للعدو تخشعا * ولا جزعا أني إلى الله مرجعي وقد تقدم في صحيح البخاري بيتان من هذه القصيدة وهما قوله : فلست أبالي حين أقتل مسلما * على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع وقال حسان بن ثابت يرثي خبيبا فيما ذكره ابن إسحاق :

--> ( 1 ) دلائل النبوة 3 / 331 - 332 . ( 2 ) ألبوا : جمعوا . تقول ألبت القوم على فلان إذا جمعتهم عليه وحضضتهم وحرشتهم به ، فتألبوا ، أي اجتمعوا . مجمع : مكان الاجتماع . ( 3 ) في ابن هشام : بمصيع . ( 4 ) في ابن هشام : الأحزاب بدل الأعداء . ( 5 ) الجحم : الملتهب المتقد ، ومنه سميت النار الجحيم . ملفع : مشتمل . تلفع بالثوب : إذا اشتمل به . ( 6 ) في ابن هشام : مصرعي بدل مضجعي . أرجو : أي أخاف وهي لغة وقد حمل بعض المفسرين في قوله تعالى ( ما لكم لا ترجون لله وقارا ) أي لا تخافون .