ابن كثير
45
البداية والنهاية
الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب ( 1 ) . قال ابن إسحاق : فحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب ، وحدثني من لا أتهم عن ابن عباس : أن الله أنزل في ذلك ( وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) الآية [ النحل : 126 ] . قال : فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر ونهى عن المثلة . قلت : هذه الآية مكية ( 2 ) وقصة أحد بعد الهجرة بثلاث سنين فكيف يلتئم هذا . فالله أعلم . قال : وحدثني حميد الطويل عن الحسن عن سمرة [ بن جندب ] قال : ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام قط ففارقه ، حتى يأمر بالصدقة وينهى عن المثلة . وقال ابن هشام : ولما وقف النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة قال " لن أصاب بمثلك أبدا ، ما وقفت قط موقفا أغيظ إلي من هذا " ثم قال " جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في [ أهل ] السماوات السبع : حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله " قال ابن هشام : وكان حمزة وأبو سلمة بن عبد الأسد أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أرضعتهم ثلاثتهم ثويبة مولاة أبي لهب . الصلاة على حمزة وقتلى أحد وقال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن مقسم ، عن ابن عباس قال : " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه ، فكبر سبع تكبيرات ثم أتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة ، فصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة " وهذا غريب وسنده ضعيف . قال السهيلي : ولم يقل به أحد من علماء الأمصار ( 3 ) . وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، حدثنا عطاء بن السائب ، عن الشعبي ، عن ابن مسعود قال : إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم .
--> ( 1 ) الخبر في سيرة ابن هشام 3 / 101 ( 2 ) قال الرازي في التفسير الكبير : سورة النحل مكية غير ثلاث آيات في آخرها . وحكى الأصم عن بعضهم : أنها كلها مدنية . وقال قتادة : من قوله " كن فيكون " إلى آخرها مدني . وقال الرازي : قال الواحدي : ما عليه العامة ان النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حمزة وقد مثلوا به قال : لأمثلن بسبعين منهم مكانك . فنزل جبريل بخواتيم سورة النحل فكف النبي صلى الله عليه وسلم وأمسك عما أراد . وقال القرطبي في تفسيره : 10 / 201 : أطبق جمهور أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد . ( 3 ) قال السهيلي لم يؤخذ به لوجهين : أحدهما : ضعف إسناده ، قال ابن إسحاق : حدثني من لا أتهم ، يعني الحسن بن عمارة فيما ذكروا ، ولا خلاف في ضعفه عند أهل الحديث . وإن كان غيره فهو مجهول والجهل يوبقه والوجه الثاني : انه حديث لم يصحبه العمل ، ولا يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه صلى على شهيد في شئ من مغازيه إلا هذه الرواية